سِينَاءُ… حِينَ ٱنْتَصَرَ ٱلْحُلْمُ وَتَأَخَّرَ ٱلْوَعْيُ

شعر: أشرف أبو عريف
فِي ٱلْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ…
ٱلسَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ…
حِينَ ٱرْتَفَعَتْ رَايَاتُ ٱلسَّمَاءِ عَلَى ضِفَافِ ٱلْقَنَاةِ،
وَتَكَسَّرَ ٱلصَّمْتُ ٱلطَّوِيلُ
عَلَى صَهِيلِ ٱلْعُبُورِ،
كُتِبَ ٱلنَّصْرُ… مِنْ مَوْقِعِ ٱلْقُوَّةِ لَا ٱلرَّجَاءِ،
وَتَجَلَّتْ مِصْرُ…
وَهِيَ تَسْتَرِدُّ ٱلتَّارِيخَ مِنْ بَيْنِ أَنْيَابِ ٱلْمُسْتَحِيلِ.
يَا سِينَاءُ…
يَا أَيْقُونَةَ ٱلصَّبْرِ وَٱلدَّمِ وَٱلضِّيَاءِ،
عُدْتِ كَمَا كُنْتِ…
نَبْضًا فِي قَلْبِ ٱلْوَطَنِ لَا يُسَاوَمُ،
وَكَرَامَةً لَا تُشْتَرَى وَلَا تُبَاعُ.
وَهُنَا… وَقَفَ رَجُلٌ
لَمْ يَكُنْ يُجِيدُ إِلَّا قِرَاءَةَ ٱلزَّمَنِ،
أَنُوَرُ ٱلسَّادَاتُ…
يَمْضِي بِخُطَى ٱلثَّعْلَبِ ٱلْحَذِرِ،
وَقَلْبِ ٱلْأَسَدِ ٱلْجَسُورِ،
يُخَاتِلُ خُبْثَ ٱلصَّهَايِنَةِ بِدَهَاءِ ٱلسِّيَاسِيِّ ٱلْعَارِفِ،
فَيَكْسِرُ غَطْرَسَتَهُمْ… لَا بِٱلسَّيْفِ وَحْدَهُ،
بَلْ بِٱلْعَقْلِ حِينَ يُحْسِنُ ٱخْتِيَارَ ٱلْمَعْرَكَةِ.
لَمْ يَكُنِ ٱلنَّصْرُ رَصَاصَةً فَقَطْ…
بَلْ كَانَ فِكْرَةً،
وَفَهْمًا عَمِيقًا لِمَوَازِينِ ٱلْقُوَّةِ،
وَحِكْمَةً تَعْرِفُ مَتَى تُحَارِبُ… وَمَتَى تُفَاوِضُ.
لَكِنْ…
يَا لِخَيْبَةِ ٱلْجَمْعِ حِينَ تَخْذُلُهُ ٱللَّحْظَةُ،
وَيَا لِمَرَارَةِ ٱلْفُرْصَةِ حِينَ تَضِيعُ بَيْنَ ٱلْأَيَادِي،
وَقَفَ ٱلنِّظَامُ ٱلْعَرَبِيُّ آنَذَاكَ…
مُرْتَبِكًا… مُتَرَدِّدًا… فَاقِدًا لِبُوصَلَةِ ٱلْحِنْكَةِ،
فَلَمْ يُكْمِلِ ٱلطَّرِيقَ،
وَلَمْ يُحْسِنْ ٱسْتِثْمَارَ ٱلنَّصْرِ،
فَضَاعَتِ ٱلْقُدْسُ بَيْنَ ٱلْحِسَابَاتِ،
وَبَقِيَ ٱلْأَقْصَى… يُنَادِي وَلَا مُجِيبَ.
ثُمَّ جَاءَتْ قَطِيعَةٌ…
لَا مِنْ عَدُوٍّ يُنَاصِبُهَا ٱلْعِدَاءَ،
بَلْ مِنْ أَشِقَّاءَ ضَلَّتْ بِهِمُ ٱلْبَصِيرَةُ،
فَقُوطِعَتْ مِصْرُ…
لَا لِذَنْبٍ سِوَى أَنَّهَا رَأَتْ أَبْعَدَ،
وَلَا لِخَطَأٍ سِوَى أَنَّهَا ٱخْتَارَتْ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا.
كَانَتْ قَطِيعَةً
يَكْتُبُهَا ٱلْقُصُورُ فِي سُطُورِ ٱلْقَرَارِ،
وَيُمْلِيهَا ضِيقُ ٱلْأُفُقِ لَا سَعَةُ ٱلرُّؤْيَةِ،
فَخَسِرُوا مِصْرَ حِينَ ٱبْتَعَدُوا،
وَخَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ لَمْ يَفْهَمُوا.
أَيْنَ كَانَتْ تِلْكَ ٱللَّحْظَةُ
ٱلَّتِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تُولَدَ فِيهَا دَوْلَةٌ فِلَسْطِينِيَّةٌ؟
أَيْنَ كَانَ ٱلْقَرَارُ
حِينَ كَانَتِ ٱلْأَرْضُ أَقْرَبَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ؟
ضَاعَتِ ٱلْفُرْصَةُ…
وَبَقِيَ ٱلنَّدَمُ شَاهِدًا عَلَى عَجْزِ ٱلرُّؤْيَةِ،
لَا عَلَى ضَعْفِ ٱلسَّوَاعِدِ.
وَٱلْيَوْمَ…
نَقِفُ أَمَامَ ٱلتَّارِيخِ لَا لِنَبْكِيَهُ،
بَلْ لِنَقْرَأَهُ،
فَٱلسَّادَاتُ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا… بَلْ مَدْرَسَةً،
وَعَقْلُهُ لَمْ يَكُنْ خِيَارًا… بَلْ ضَرُورَةً.
يَا عَرَبُ…
إِنَّ ٱلتَّطْبِيعَ لَيْسَ ضَعْفًا إِنْ فُهِمَ،
وَلَيْسَ قُوَّةً إِنْ أُسِيءَ ٱسْتِخْدَامُهُ،
إِنَّمَا هُوَ أَدَاةٌ…
تَحْتَاجُ عَقْلًا يُدِيرُهَا،
لَا عَاطِفَةً تُبَدِّدُهَا.
تَعَلَّمُوا…
أَنَّ ٱلسَّلَامَ لَيْسَ ٱسْتِسْلَامًا،
وَأَنَّ ٱلْحَرْبَ لَيْسَتْ دَائِمًا طَرِيقًا لِلنَّصْرِ،
وَأَنَّ ٱلتَّوَازُنَ بَيْنَهُمَا…
هُوَ فَنُّ ٱلْبَقَاءِ فِي زَمَنِ ٱلتَّنَاقُضَاتِ.
ٱقْرَءُوا مُفَاوَضَاتِ ٱلْأَمْسِ،
لَا كَحِكَايَاتٍ تُرْوَى،
بَلْ كَدُرُوسٍ تُنْقِذُ ٱلْغَدَ،
فَفِي كُلِّ بَنْدٍ… حِكْمَةٌ،
وَفِي كُلِّ تَنَازُلٍ… حِسَابٌ،
وَفِي كُلِّ صَمْتٍ… مَعْنًى لَا يُقَالُ.
سِينَاءُ تُحَرَّرُ حِينَ تَتَوَحَّدُ ٱلْإِرَادَةُ،
وَٱلْقُدْسُ تُحَرَّرُ…
حِينَ يَتَوَحَّدُ ٱلْفَهْمُ.
فَيَا أُمَّةً
عَلَّمَتِ ٱلدُّنْيَا مَعْنَى ٱلصُّمُودِ،
عُودِي إِلَى عَقْلِكِ…
قَبْلَ أَنْ تَبْحَثِي عَنْ سَيْفِكِ.



