يَا نِيلُ… رُدَّ قَلْبِي!

شعر: أشرف أبو عريف
عَلَى ضَفَّتَيْهِ كَانَ يَنَامُ الزَّمَانُ.. وَلَا يَنَامُ النَّهْرْ
وَتَطُوفُ النَّوَرسُ مِثْلَ الجُنُودْ
تَهُزُّ الجَنَاحَ.. تَمُدُّ البَصَرْ
تَطِيرُ.. وَتَهْوِي
تَحْكِي لِلْمَوْجِ سِرَّ الخُلُودْ
كَأَنَّ النَّوْرَسَ بِيضُ الحُرَّاسِ.. لِعَرْشٍ أَبَدِيّْ!
وَكَانَ الشَّجَرُ الشَّامِخُ فَوْقَ الضِّفَافِ..
رِمَاحاً مُقَدَّسَةً فِي يَدِ الأَرْضِ،
لَا تَنْحَنِي لِلرِّيَاحِ..
تُعَلِّمُ النَّاسَ مَعْنَى الكِبْرِيَاءِ.. وَمَعْنَى الصُّمُودْ.
وَفِي القَاعِ.. كَانَ السَّمَكُ الفِضِّيُّ يَرْقُصُ جَذْلَانَ،
يُشَارِكُ النَّخِيلَ تَرَاتِيلَ الهَوَى،
فَإِذَا هَمَسَ النَّهْرُ.. غَنَّتِ الطُّيُورُ، وَاهْتَزَّ الشَّجَرُ طَرَبَاً،
وَتَنَاغَمَ الكَوْنُ فِي عِيدِ نَهْرٍ مَلِيكٍ بِعَبَقْ!
وَكَانَ وَرْدُ النِّيلِ يَطْفُو كَأَكَالِيلِ بَهْجَةٍ..
يَفْتَرُّ عَنْ بَسْمَةٍ بَنَفْسَجِيَّةٍ مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ،
يُرَاقِصُ الشَّمْسَ فِي رِحْلَتِهَا.. كَأَنَّهُ مِيلَادُ سَعَادَتِهِ الخَضْرَاءْ!
—
مَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ أُجَاجاً..
لَمْ يَكُنْ مَاءً عَابِرَاً مِنْ سَحَابْ
إِنَّهُ عَسَلٌ مُصَفًّى.. خَارِجٌ مِنْ جَنَّةِ الأَرْضِ،
يَصُبُّ الخِصْبَ فِي طِينِ الرَّوَابِي..
يَرْتَشِفْ مِنْهُ العَابِرُونَ بِكَفِّهِمْ،
لَكِنَّ أَسْرَارَ الهَوَى.. لَهَا فِي النَّهْرِ بَابْ:
حِينَ يَلْتَقِي الحَبِيبَانِ..
فَلَا كَفٌّ.. وَلَا كَأْسٌ.. وَلَا مَاءٌ يُسَاكَبْ!
بَلْ فَمٌ يَسْقِي فَمَاً..
فَيَمْتَزِجُ الرَّحِيقُ بِقُبْلَةٍ..
وَيَتَرَقَّى العَسَلُ الصَّافِي إِلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ عِشْقِهِ..
فَيَصِيرُ نُوراً فِي المَحَاجِرْ!
—
مَجْنُونَةٌ كَانَتْ هَذِي البَسَاتِينُ الَّتِي.. صَنَعْ الطَّمَى!
العِنَبُ المُدَلَّى كَالثُّرَيَّاتِ الثَّمِينَةِ،
وَالمَانْجُو الَّتِي نَضِجَتْ شُمُوساً فِي الغُصُونْ،
وَالكَرَزُ الأَحْمَرُ القَانِي الَّذِي يَغْوِي العُيُونْ،
وَالخُوخُ يُفْرِزُ عِطْرَهُ شَهْداً يُسِيلُ لَهُ المَدَى،
وَالمِشْمِشُ الذَّهَبِيُّ يَخْتَالُ ابْتِهَاجاً..
كَالدَّنَانِيرِ النَّدِيَّةِ فَوْقَ أَغْصَانِ الجَنَى,
وَالتُّوتُ يَصْبُغُ كُلَّ ثَغْرٍ بِالأُرْجُوانْ،
وَالمَوْزُ يَنْبُتُ قِطَعاً مِنْ عَسَلٍ مُعَتَّقْ!
كُلُّ ثِمَارِ الأَرْضِ تَرْقَى..
حَتَّى اسْتَحَالَ الخُضَارُ لَذَّةَ السُّكَّرْ!
تَقِفُ الطَّمَاطِمُ فِي حُمْرَتِهَا البَهِيَّةِ..
تُنَافِسُ الخِيَارَ فِي عُذُوبَتِهِ،
وَتَقُولُ: أَنَا عَرُوسُ هَذَا الطِّينِ.. وَأَنَا الأَحْلَى مَذَاقَاً!
أَيْ خِصْبٍ هَذَا الَّذِي سَكَبْتَهُ يَا نِيلُ فِي جَسَدِ الوَادِي؟
—
وَكَانَ الفَرَاعِنَةُ السَّابِقُونَ..
إِذَا أَقْبَلَ الفَيَضَانُ العَظِيمْ،
يَزُفُّونَ لِلنَّهْرِ أَحْلَى البَنَاتْ!
تُرَدِّدُ مِصْرُ نَشِيدَ الوَفَاءْ..
وَتَخْتَارُ عِذْرَاءَهَا الأَجْمَلَا..
تُطَيِّبُهَا بِعُطُورِ المُلُوكِ،
وَتَكْسُوهَا بِالذَّهَبِ المُنْتَقَى،
وَتُلْقِي بِهَا فِي حِضْنِ الإِلَهِ (حَابِي)..
لِتُصْبِحَ زَوْجَتَهُ فِي العَلَاءِ!
فَيَأْخُذُهَا النَّهْرُ عَرُوساً لَهُ فِي المَغَاصْ..
وَيَبْكِي عَلَيْهَا بِمَاءٍ زُلَالٍ..
يَفِيضُ عَلَى مِصْرَ بِالخَيْرِ وَالعَافِيَةْ!
—
وَلَكِنَّ هَذَا الزَّمَانَ تَوَلَّى..
فَآآآآآآآآهٍ لِمَا حَلَّ بِالنَّهْرِ بَعْدَ الجَلَالْ!
تبدل الحال الى حال.. وَهَجَرَتِ المُرُوجَ أَقْدَاسُهَا
فَالشَّجَرُ الشَّامِخُ قَدْ أُجتثَّ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ وَمِنْ بَطْنِهَا!
لَمْ يَبْقَ عِرْقٌ يُغَذِّي المَكَانَ بِالضِّيَاءْ،
وَالطَّيْرُ النَّوْرَسُ المَلَكِيُّ غَادَرَ الفَضَاءْ،
لَمْ يَعُدْ يَحْرُسُ مَوْجاً، وَلَا يَفْرِشُ الرِّيشَ بَيْضَاءَ الجَنَاحْ!
حَتَّى السَّمَكُ الفِضِّيُّ فِي الأَعْمَاقِ مَاتَ،
أَوْ رَحَلَ حَزِيناً يُفَتِّشُ عَنْ مَائِهَا العَذْبِ بَيْنَ النُّزُوحْ..
هَجْرٌ جَمَاعِيٌّ صَامِتْ!
فَلَا صَوْتَ، لَا طَرَبَ، لَا نَضَارَةَ فَوْقَ الضِّفَافْ!
—
وَتَمَطَّتْ عَشْوَائِيَّاتُ هَذَا الزَّمَانِ العَجِيبْ..
زَحَفَ الإِسْمَنْتُ.. تَوَارَتْ جَفُونُ المِيَاهِ وَرَاءَ الكَرَائِهْ!
انْقَشَعَتْ صُورَةُ النَّهْرِ العَظِيمِ فَلَا نَرَاهْ!
إِذْ حَاصَرَتْهُ سُجُونُ الطُّوبِ.. وَغَابَ النَّقَاءْ،
ثُمَّ دَارَتْ رَحَى الإِخْلَاءِ هَدْماً..
لَا لِلْعِشَاشِ فَقَطْ، بَلْ إِخْلَاءُ الأَبْرَاجِ الشَّامِخَةِ نَفْسِهَا مِنْ أَهْلِهَا!
نَاطِحَاتُ سَحَابٍ جَامِدَةٌ أُفْرِغَتْ مِنْ حَيَاتِهَا..
لِيَسْكُنَهَا الصَّمْتُ.. وَالمَوْتُ المُبَكِّرُ لِلْأُمْنِيَاتْ!
كَأَنَّ شَبَحَ الأُسْطُورَةِ السَّوْدَاءِ.. “مِنَ النِّيلِ إِلَى الفُرَاتْ”
قَدْ أَقْبَلَ فِعْلاً لِيَحْتَلَّ الهُوِيَّةَ..
فَأَصَابَ المَحَاجِرَ بِالعَشَى اللَّيْلِيِّ الدَّامِسْ،
صِرْنَا نَنْظُرُ صَوْبَ المَاءِ فَلَا نَرَى سِوَى جُدْرَانِ الغِيَابْ!
—
وَأَضْحَى النِّيلُ اليَوْمَ.. حَائِراً بَيْنَ الفَنَاءِ وَالبَقَاءْ!
تَقْطَعُ شِرْيَانَهُ السُّدُودُ فِي أَعَالِي الهِضَابْ،
تَحْبِسُ عَنَّا المَاءَ.. وَتَبْرِيحَ السَّحَابْ!
آآآآآه يَا نَهْرَاً كَانَتْ مِصْرُ تَبْسُطُ رَايَتَهَا عَلَيْهِ مَهَابَةً..
حَيْثُ كَانَتْ حُدُودُنَا تَمْتَدُّ كَالعِمْلَاقِ:
مِنْ مَنَابِعِكَ الحُرَّةِ جَنُوباً، لِحِرَاسَةِ مَجْرَى مِنَ العَادِيَاتْ،
حَتَّى تَبْلُغَ الشَّمَالَ الأَقْصَى عِنْدَ حُدُودِ تُرْكِيَا!
إِمْبِرَاطُورِيَّةٌ حَمَاهَا الطَّمْيُ وَالسَّيْفُ الجَسُورْ..
كَيْفَ بَاتَتْ اليَوْمَ تَقْتَاتُ عَلَى فُتَاتِ الحُقُوقِ،
وَتَرْقُبُ الخَوْفَ القَادِمَ مِنَ الجَنُوبْ؟
—
وَاليَوْمَ.. يَا نِيلُ!
أَقِفُ عَلَى ضَفَّتِكَ المَسْلُوبَةِ..
مَاؤُكَ قَلَّ صَفَاؤُهُ.. وَالطَّمْيُ بَاتَ حِكَايَةً فِي كُتُبِ الأَقْدَمِينْ،
وَالعُشَّاقُ غَادَرُوا الشَّوَاطِئَ.. لَمْ يَعُدْ فَمٌ يَسْقِي فَمَاً،
بَلْ بَاتَ كُلٌّ حَزِيناً يُدَارِي دُمُوعَهْ!
وَنَفْسِي تَلْتَفِتُ لِأَمْجَادِ “عَلِيٍّ” وَ”صَلَاحٍ”.. فَنَادَيْتُ مُنْكَسِرَاً:
**يَا نِيلُ.. رُدَّ قَلْبِي!**
رَدَّ قَلْبِي الَّذِي سَرَقَهُ المَاضِي..
وَتَرَكَنِي غَرِيبَاً أَرْقُبُ خَبَرَاً..
كَانَ بِالأَمْسِ.. مَلِكاً لِلْوُجُودْ!



