رأىسلايدر

إذا اهتزَّتِ الأرض فلا تُسَكِّنوا القلوب بالغفلة

Listen to this article

بقلم : د. محمود ريحان مرجان

لم يستغرق الزلزال سوى ثوانٍ معدودة، لكنها كانت كافية لتوقظ في النفوس حقيقةً كثيرًا ما نغفل عنها؛ وهي أن الإنسان، مهما بلغ من علمٍ وقوةٍ وبناءٍ وتقنية، لا يملك أن يوقف ارتجافةً في الأرض، ولا أن يمنع قلبًا من الخفقان إذا أراد الله له أن يخفق خوفًا.

ففي لحظةٍ واحدةٍ تتحول البيوت الوادعة إلى أماكن قلق، وتضطرب القلوب قبل أن تضطرب الجدران، ويرفع الجميع أبصارهم إلى السماء، حتى أولئك الذين طال بهم الأنس بالدنيا. إنها لحظاتٌ تسقط فيها كل أوهام السيطرة، فلا يبقى للإنسان إلا يقينه بربه.

ولعل أجمل ما قيل في مثل هذه المواقف كلمةٌ تُنسب إلى بعض السلف: «إنَّ ربكم يستعتبكم.» وما أرحمها من كلمة! لم يقل: يهلككم، ولم يقل: يعذبكم، وإنما يستعتبكم؛ أي يفتح لكم باب الرجوع قبل أن يُغلق، ويمنحكم فرصة الإنابة قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه اعتذار، ولا تُقبل فيه أمنية العودة إلى الدنيا.

فالزلازل ليست مجرد ظواهر جيولوجية يفسرها العلم، ولا مجرد حركة صفائح أرضية يشرحها المختصون، وإن كان ذلك حقًا لا يُنكر؛ لكنها في ميزان الإيمان تبقى أيضًا آيةً من آيات الله، توقظ القلوب كما تهز الأرض، وتذكر الإنسان بحقيقته؛ قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.

ولا يحق لأحد أن يجزم بأن زلزالًا بعينه عقوبةٌ لقومٍ دون غيرهم، فذلك من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولكن يحق لكل واحدٍ منا أن يسأل نفسه: ماذا أراد الله مني أن أفهم؟ وماذا لو كانت هذه الرجفة آخر ما أشعر به في حياتي؟

عجيبٌ أمر الإنسان! إذا اهتزت الأرض قال من أعماقه: يا الله، ولو كان قبل دقائق غارقًا في غفلته. كأن الفطرة، التي قد تغطيها الشهوات، تعود فجأةً لتعلن أن الملجأ واحد، وأن النجاة ليست في الإسمنت والحديد، ولا في الأبراج الشاهقة، وإنما في رب السماء والأرض.

ولذلك فإن أعظم خسارةٍ ليست أن يتصدع جدار، وإنما أن يبقى القلب متصدعًا بالبعد عن الله. وأعظم نجاةٍ ليست أن ينجو الجسد من سقوط بناء، وإنما أن تنجو الروح من قسوة الغفلة.

فلنراجع أنفسنا قبل أن نراجع نشرات الأخبار، ولنتفقد صلاتنا قبل أن نتفقد جدران بيوتنا، ولنسارع إلى رد المظالم، وصلة الأرحام، والاستغفار، والصدقة، وإصلاح ما بيننا وبين الله؛ فما يدريك؟! لعل هذه الرجفة لم تكن إلا رسالة رحمة، يقول الله بها لعباده: ارجعوا إليَّ قبل أن تأتوا إليَّ.

ومع ذلك، فإن الإيمان الصادق لا يناقض الأخذ بالأسباب، بل يأمر به. فمن الحكمة اتباع تعليمات المختصين وإجراءات السلامة عند وقوع الزلازل؛ فالتوكل الحق هو اعتماد القلب على الله مع فعل الأسباب التي أمر بها.

وأخيرًا.. إذا سكنت الأرض، فلا تدع قلبك يعود إلى الغفلة. وإذا هدأت الأبنية، فلا تجعل يقينك يهدأ. فما أكثر الناس الذين نجوا من الزلازل، ثم هلكوا بالغفلة! وما أقل الذين فهموا الرسالة قبل أن تُطوى الصحف، وتُغلق أبواب التوبة، ويأتي اليوم الذي لا ينفع فيه ندم.

فإذا كانت رجفةٌ لم تتجاوز ثواني قد أقلقت الملايين، فكيف برجفة يومٍ قال الله فيه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ۝ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾؟ فبادروا إلى الله قبل أن تُبادَروا إليه، وتُوبوا إليه قبل أن تقول نفسٌ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، فيأتيها الجواب الذي لا يتبدل: ﴿كَلَّا﴾.

نسأل الله أن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين، وأن يجعل كل ابتلاء سببًا لليقظة والإنابة، لا سببًا للخوف العابر الذي ينتهي بانتهاء رجفة الأرض، ويبقى القلب على غفلته.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى