سلايدرسياسة

«على ضفاف الأبدية: حين يعانق النيلُ التنينَ الذهبي»

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

تترقب مصر حكومة وشعباً زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المقررة في مطلع سبتمبر 2026 بشغف واهتمام بالغين، لما تجمع بين البلدين من روابط إستراتيجية متينة وشراكة تاريخية راسخة شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة. وتأتي هذه الزيارة المرتقبة لتستكمل الفصول المضيئة للزيارة الرسمية الأولى التي قام بها الرئيس الصيني للقاهرة عام 2016، والتي أطلقت مرحلة جديدة من التعاون المثمر والشامل. وإذا كانت زيارة 2016 قد شهدت تدشين عام الثقافة المصرية الصينية وتوطيد أواصر الصداقة على ضفاف النيل، فإن الزيارة الجديدة تأتي في ذروة النضج الإستراتيجي والاقتصادي بين القاهرة وبكين، لتفتح آفاقاً أرحب للتعاون بين حضارتين عريقتين تشكلان ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية في الجنوب العالمي.
قال الرئيس الصيني شي جين بينغ ذات مرة: “أينما ذهبت في زياراتي الخارجية، فإن أكثر ما يثير إعجابي هو الحضارات التي أبدعتها شعوب البلدان والمجموعات العرقية المختلفة”. حظيت مصر، وهي مهد واحدة من أقدم الحضارات في العالم، بمكانة خاصة لدى شي. لقد كتب شي في مقال يحمل توقيعه نُشر في صحيفة مصرية قبيل زيارة الدولة الأولى التي قام بها لمصر في عام 2016 أن النيل، شريان الحياة للحضارة المصرية، و*”أثار مني كل الإعجاب بحكمة الشعب المصري، والثناء على قوته”*. وبعد مرور عقد من الزمان، ومع استعداد الرئيس شي للقيام بزيارة دولة ثانية لمصر، سيظل نهر النيل شاهداً على المزيد من القصص الرائعة للتبادل والتعلم المتبادل بين الحضارتين العريقتين.
رحلة لاستكشاف حضارة
خلال زيارته لمصر في عام 2016، توجه الرئيس شي إلى مدينة الأقصر، مدينة عريقة تقع على ضفاف نهر النيل تُعرف على نطاق واسع بأنها واحدة من أكبر المتاحف المفتوحة في العالم. وانطلاقاً من اهتمامه الكبير بالثقافات والتاريخ، يحرص شي دائماً على زيارة المواقع التاريخية خلال رحلاته الخارجية. وتحت سماء الأقصر الصافية ليلاً، قام الرئيس شي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بجولة في معبد قديم عبر الممشى الرئيسي، وتبادلا وجهات النظر حول السمات المميزة للحضارتين، واسترجعا التاريخ الطويل للتبادل والتعلم المتبادل.
ومنذ أكثر من ألفي عام، ربط طريق الحرير القديم بين الصين ومصر، فلم يتدفق عبره الخزف والأواني الزجاجية فحسب، بل انتقلت أيضاً المعارف والأفكار بين الحضارتين. وأكد الرئيس شي أن هذه المواقع الأثرية في الأقصر تكون انعكاساً كبيراً للحضارة المصرية القديمة، وتقدم ثروة من المواد اللازمة لدراسة تاريخها وثقافتها ومجتمعها.
وفضلاً عن ذلك، شهد الرئيسان معاً في معبد الأقصر انطلاق “عام الثقافة الصينية-المصرية 2016″، في لحظة فارقة أطلقت أول “عام ثقافي” تنظمه الصين مع دولة عربية، ليفتح فصلاً جديداً من التفاعلات الثقافية بين الصين ومصر والعالم العربي بأجمعه.
المحرك الثقافي للعلاقات
على مدار سنوات، دأب الرئيس شي على الدعوة إلى تعزيز التبادلات الثقافية بين الصين ومصر، بهدف تعميق التفاهم المتبادل والصداقة بين الشعبين.
  • المتحف المصري الكبير: مع افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر عام 2025 كواحد من أكبر صالات عرض الآثار القديمة في العالم، أوفد شي مبعوثاً خاصاً للحفل وبعث برقية تهنئة إلى الرئيس السيسي أكد فيها دور المتحف البارز في صون التراث الانساني.
  • المعارض المشتركة: شهد متحف شانغهاي معرض “على قمة الهرم: حضارة مصر القديمة” (يوليو 2024 – أغسطس 2025)، والذي يعد الأكبر من نوعه في آسيا، حيث استقطب 2.77 مليون زائر وسجل رقماً قياسياً عالمياً.
  • التنقيب والتبادل الأكاديمي: امتد التعاون ليشمل دمج اللغة الصينية في النظام التعليمي المصري بجميع مراحله، إلى جانب البعثات الأثرية المشتركة مثل بعثة معبد مونتو بالأقصر ومشاريع سقارة، والتي أعلنت مؤخراً عن اكتشافات هامة تعزز الفهم الشعائري لمصر القديمة.
نموذج للحوار بين الحضارات
تأتي زيارة شي المرتقبة إلى مصر في وقت تشهد فيه مناطق مختلفة من العالم صراعات جيوسياسية محتدمة، ولا سيما في الشرق الأوسط. ويبدو أن هناك قلة من الأسئلة أكثر إلحاحاً اليوم من كيفية تعايش الحضارات المختلفة معا في سلام، بدلاً من الانزلاق إلى المواجهة. ويرى شي أن التفاعل مع الحضارات المختلفة يتطلب ذهناً أوسع من السماء.
وفي عام 2023، طرح شي “مبادرة الحضارة العالمية”، التي تهدف إلى التقريب بين شعوب الدول المختلفة وتعزيز الشمول والتعلم المتبادل. وتعد الصين ومصر، وهما حضارتان عريقتان ودولتان رئيسيتان في الجنوب العالمي، مثالاً ملموساً على التقارب الإستراتيجي بشأن القضايا الدولية الرئيسية، بما في ذلك إصلاح الحوكمة العالمية، ودعم نظام عالمي متعدد الأقطاب، واحترام مسارات التنمية المتنوعة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ومع احتفال البلدين بالذكرى الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية واستعداد الرئيس شي لزيارة مصر مجدداً، تستلهم القاهرة وبكين الحكمة والقوة من التاريخ لدفع التعاون وإعلاء العدالة، متدفقين معاً إلى الأمام تماماً كما يندفع نهر النيل.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى