رئيس التحريرسلايدر

“عمُّوزا” في صالون صاحبة الجلالة..؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في علم الأحياء، هناك طفيليات تعيش وتقتات على إفرازات الآخرين، وفي علم الاجتماع الصحفي، هناك “عمُّوزا”! كائنٌ عجيب من كلا الجنسين، شخصية أسطورية تجاوزت كل معدلات الفشل الإنساني والأخلاقي والتنظيمي، لتستقر بجدارة واستحقاق في أعمق قاع للهرم المهني. كائن يتناسب سجله الحافل مع عشقه المرضي للهيمنة والتسلط والتطاول، حتى على أساطينه ومعلميه وكبار القامات داخل صالون صاحبة الجلالة، متجاهلاً بصلف وغرور أنه كان مجرد تلميذ صغير مبتدئ في مجاله… والحقيقة الناصعة التي يراها الجميع اليوم أنه لا يزال تلميذاً خائباً لم يتعلم شيئاً!
عمُّوزا لا يعرف من الضمائر سوى “أنا” المنتفخة بالوهم والغرور الفارغ، أما بقية الضمائر الشخصية (هو/هي/هم/هن/نحن/أنتم/أنتن) فهي لديه إما محل ذم وإساءة، أو مادة للهمز واللمز والطعن في الغيب.
عمُّوزا ليس مجرد زميل ثقيل الظل ومزعج في أروقة الصحافة، بل هو نموذج حي وصارخ لمن قرر أن يعوض اختلاله النفسي والاجتماعي الشديد بخلطة سحرية زائفة قوامها: ادعاء البطولات الوهمية، وانتهاك الخصوصيات، وتهديد الجميع بالعبارة الشهيرة: “خد بالك.. في تليفون جاي من فوق”!
إذا أردت أن تفهم التركيبة النفسية لـ “عمُّوزا”، فلست بحاجة لشهادة في علم النفس المعقد؛ نحن أمام كائن يعاني من جفاف عاطفي ومهني شامل، وإفلاس فكري مطلق. في بلاط صاحبة الجلالة، هو الشخص الذي لا يعرف الفرق بين “المقال التحليلي العميق” و”قائمة طلبات الغداء”، لكنه يملك قدرة خارقة ومثيرة للشفقة على الهمس في أذنك بوجوم: “الخبر ده متراقب من جهة موقرة!”. طبعاً، الجهة الموقرة لا تعلم عن وجوده أساساً، ولو علمت لربما أدرجت اسمه فوراً ضمن قائمة الأخطار البيئية والنفسية التي تهدد السلامة العقلية للمؤسسة.
وفي الوقت الذي يتظاهر فيه بتقديم الخدمات ظاهرياً ومد يد العون، سرعان ما يطعن زملائه في الظهر باطناً من منطلق مريض، ملتصقاً بأسلوب تخويف البعثات الدبلوماسية وادعاء أنه معاون لجهة سيادية موقرة فقط لتحقيق مكاسب شخصية رخيصة، مقابل وصف النبلاء العباقرة والرموز الشريفة بأنساب “المغضوب عليهم”.
يتغذى هذا المحتال على التجسس والتلصص، يتسلل بين المكاتب الصحفية كأنه عميل سرّي يرتدي بيجامة منزلية، يقتحم خصوصيات الزملاء والزميلات، يفتش في تفاصيل حياتهم الشخصية، ويلتقط الشائعات من الطرقات ثم يعيد تدويرها ليبيعها للإدارة على أنها “معلومات استخباراتية حصرية ومصيرية”. هو يتوهم أن انتهاك حرمة الآخرين والهمز واللمز سيضمنان له مكاناً مرموقاً داخل المؤسسة، أو ربما سيعبران به عوالم البحار نحو المجد والشهرة. لكن الحقيقة المرة التي لا يدركها عقله الباطن هي أن الجميع—من أمن البوابة وحتى كبار الكُتّاب والأساتذة—ينظرون إليه كـ “كومبارس” فاشل في مسرحية رديئة الإخراج.
المأساة الكبرى في كوميديا “عمُّوزا” السوداء هي جرأته الجاهلة على التحدث باسم “الأمن القومي” و”الأمن الوطني”. يبدو أن عمُّوزا لم يَعِ أو يدرك طبيعة ودور الأجهزة الأمنية للأمن القومي والوطني، الساهرة على أمن وسلامة المواطنين ليل نهار، والتي أُنشت وتُدار بعقول مُختارة على أعلى مستوى من القدرة الآدمية والمهنية والانضباط وفقاً لتعليمات وتوجيهات فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتنفيذ الوزير الخلوق اللواء محمود توفيق وزير الداخلية.
لا يعلم هذا النموذج الفاشل العاهة المهنية أن الأمن الحقيقي يرتكز على دعائم صلبة لا يفهمها ولن يفهمها أمثاله: الشفافية، العدالة، النزاهة، والقدرة المتقدمة على التحليل العميق والتفكير العلمي. الأمن القومي يصنعه القادة والرجال والنساء المخلصون والمؤسسات الرصينة، لا الطفيليات التي تعتاش على ابتزاز زملائها وادعاء النفوذ والمكانة السيادية الكاذبة.
في النهاية، يبدو عمُّوزا كـ بالونة ضخمة ملونة، نفخها الخوفُ الوهمي في قلوب البسطاء، لكنها فارغة تماماً من الداخل. بطلٌ من قش وسراب، يرتعد خوفاً إذا طلب منه أحدٌ عملياً تقديم تحليل مهني واحد ذي قيمة أو كتابة صياغة صحفية سليمة. ليت هذا التلميذ الأبدي يستوعب يوماً أن الهيبة لا تُشتري بالادعاءات الفارغة والهمز الرخيص، وأن صالون صاحبة الجلالة والمؤسسات الوطنية المحترمة تبنى بالعدل والعقل والعلم والعطاء، لا بقواعد بيانات الوشاة وصانعي الفتن!
وختاماً.. حمى الله مصر والرئيس من العناصر المندسة.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى