
رَئِيسُ التَّحْرِيرِ يَكْتُبُ
من غزة المثقلة بدماء الشهداء وأنين الجرحى، إلى الضفة الغربية التي تواجه مخاطر الاستيطان والتهجير، والمسجد الأقصى الذي تتجدد حوله التوترات، وصولًا إلى دول عربية أنهكتها الحروب والانقسامات؛ يبرز سؤال استراتيجي يتجاوز حدود فلسطين: هل تستطيع إرادة عربية وإسلامية موحدة أن تحمي الإنسان، وتصون المقدسات، وتعيد الاستقرار إلى المنطقة؟
1534 شهيدًا، و5486 مصابًا، وانتشال 841 جثمانًا منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025؛ ففى رقبة مَنْ هذه الدماء؟ وأين التحرك العربي والإسلامي القادر على تحويل التضامن إلى حماية فعلية، والبيانات إلى نتائج؟
أولًا: المستوطنون في الضفة الغربية.. من الاعتداء الفردي إلى خطر التهجير
لم تعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين مجرد حوادث متفرقة يمكن فصلها عن السياق السياسي والأمني للاحتلال؛ إذ تتداخل أعمال العنف مع التوسع الاستيطاني، والاستيلاء على الأراضي، وتخويف السكان، وتدمير مصادر رزقهم، بما يهدد قدرة التجمعات الفلسطينية على البقاء في أراضيها.
وخلال أكتوبر 2026، سلطت تقارير صحفية الضوء على تصاعد الاعتداءات خلال موسم قطف الزيتون، الذي يمثل مصدر رزق ورمزًا تاريخيًا لارتباط الفلسطينيين بأرضهم. وشملت الاعتداءات مزارعين وصحفيين ودبلوماسيين أجانب، الأمر الذي وسّع دائرة المتضررين لتتجاوز السكان الفلسطينيين وحدهم.
ووفق تقرير لوكالة رويترز نُشر في 19 أكتوبر 2026، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية عشرة مشتبه بهم على خلفية حوادث عنف وقعت في الضفة الغربية، بينها الاعتداء على المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، التي كانت تغطي موسم الزيتون، والاعتداء على دبلوماسيين أوروبيين. وأشار التقرير إلى تسجيل أكثر من 170 حادثة اعتداء للمستوطنين منذ 27 سبتمبر، وفقًا لمنظمة «يش دين» الإسرائيلية الحقوقية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تكفي الاعتقالات المحدودة لوقف ظاهرة تتكرر في مناطق متعددة، أم أن المطلوب هو تفكيك البيئة السياسية والأمنية التي تسمح باستمرار الاعتداءات، وضمان حماية الفلسطينيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم دون تمييز؟
إن المسؤولية لا تُختزل في هوية المعتدي وحده، بل تشمل أيضًا مسؤولية سلطات الاحتلال عن حماية السكان الواقعين تحت احتلالها، ومنع الاعتداءات على ممتلكاتهم، والتحقيق الجاد في الجرائم ومحاسبة مرتكبيها.
ثانيًا: حكومة نتنياهو وبن غفير.. أين تنتهي مسؤولية السياسة وتبدأ المحاسبة؟
تستدعي دراسة العنف الاستيطاني فحص مواقف حكومة بنيامين نتنياهو، والسياسات التي يتبناها وزراء من التيار القومي والديني المتشدد، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي ارتبط اسمه بمواقف متشددة تجاه الفلسطينيين وبزيارات مثيرة للجدل إلى باحات المسجد الأقصى.
ولا يصح قانونيًا نسبة كل اعتداء يرتكبه مستوطن إلى أمر مباشر صادر عن رئيس الحكومة أو أحد وزرائها من دون أدلة محددة. لكن ذلك لا يعفي الحكومة الإسرائيلية من مسؤولية فحص سياساتها، ومدى فاعلية إجراءاتها في منع العنف، ومحاسبة المتورطين، ووقف الأنشطة الاستيطانية المخالفة للقانون الدولي.
المعيار الحقيقي ليس عدد بيانات الإدانة، بل عدد الجرائم التي مُنعت، والضحايا الذين حُموا، والجناة الذين خضعوا لمحاسبة فعلية.
وعندما يتعرض الفلسطينيون للاعتداء على أراضيهم، أو تُحرق ممتلكاتهم، أو يُمنعون من الوصول الآمن إلى مزارعهم، فإن المطلوب ليس تبرير الوقائع باعتبارها احتكاكات محلية، وإنما تحقيق مستقل وشفاف، وإجراءات تمنع تكرارها.
أما استمرار الإفلات من العقاب، حيثما ثبت، فيضعف الردع ويعمّق انعدام الثقة، ويزيد المخاوف من تحول العنف إلى أداة لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد.
ثالثًا: غزة.. المدنيون ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار
في غزة، لا يجوز اختزال المأساة في أعداد القتلى وحدها؛ فهناك الأطفال والنساء والشيوخ، والمرضى والجرحى، والأسر التي فقدت منازلها، والأشخاص الذين يعيشون بين الأنقاض أو في ملاجئ غير ملائمة، فضلًا عن الثروة الحيوانية ومصادر الغذاء والرزق التي تضررت بفعل الحرب والدمار.
إن كل منزل يُدمَّر يعني اقتلاع أسرة من حياتها، وكل مستشفى يتعطل يعني تضييق فرص النجاة، وكل مدرسة تفقد وظيفتها تعني أن جيلًا جديدًا يُحرم من حقه في التعليم والأمان.
ولا يجوز التعامل مع استهداف المدنيين أو تجويعهم أو تهجيرهم القسري باعتباره نتيجة طبيعية للصراع. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين، ويحظر استهدافهم، ويقيّد بشدة العمليات العسكرية التي تعرضهم للأذى، ويُلزم أطراف النزاع بالسماح بالإغاثة الإنسانية وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
كما أن الحيوانات والماشية ليست تفصيلًا هامشيًا في المأساة؛ إذ تمثل بالنسبة إلى أسر كثيرة مصدرًا للغذاء والدخل، وقد يؤدي تدميرها إلى تعميق انعدام الأمن الغذائي وإطالة أمد النزوح والفقر.
إن الفلسطيني في غزة ليس مقاتلًا بحكم هويته، والطفل ليس هدفًا عسكريًا، والمسكن المدني ليس مجرد مبنى، والكرامة الإنسانية لا تسقط تحت الأنقاض.
ومن هنا، فإن أي حديث عن التهدئة أو ترتيبات ما بعد الحرب يظل ناقصًا ما لم يتضمن وقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، وضمان ألا تتحول المأساة إلى وسيلة لفرض التهجير أو تغيير الوضع الديموغرافي للقطاع.
رابعًا: في رقبة مَنْ؟! 1534 شهيدًا و5486 مصابًا وانتشال 841 جثمانًا منذ وقف إطلاق النار
1534 شهيدًا، و5486 مصابًا، وانتشال 841 جثمانًا، منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025!
أرقام تختصر مأساة لا يجوز أن تمر كأنها مجرد إحصاءات عابرة في نشرات الأخبار. فمن يتحمل المسؤولية؟ وأين ضمانات وقف إطلاق النار؟ وأين المحاسبة عن سقوط الضحايا واستمرار معاناة المدنيين؟
إذا كان وقف إطلاق النار قد أُعلن لحقن الدماء وحماية الأبرياء، فكيف تُقرأ هذه الحصيلة المفجعة منذ دخوله حيز التنفيذ؟ وأي معنى للتهدئة إذا ظل الفلسطينيون يدفعون من أرواحهم وأجسادهم ثمنًا يوميًا، بينما تنتظر أسر الضحايا إجابات واضحة، ويبحث المصابون عن العلاج، وتواصل العائلات رحلة انتشال أحبائها من تحت الأنقاض؟
في رقبة مَنْ هذه الدماء؟ سؤال لا يستهدف إطلاق اتهامات بلا تحقيق، بل يطالب بتحديد المسؤوليات، والتحقيق المستقل في الوقائع، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن انتهاكات القانون الدولي.
إن إعلان وقف إطلاق النار لا يمنح أي طرف حصانة من المساءلة، ولا يحوّل أرواح الضحايا إلى أرقام بلا أصحاب. فلكل شهيد أسرة، ولكل مصاب حياة تبدّلت، ولكل جثمان حكاية إنسان كان يستحق أن يعيش في أمان.
وهنا تتجدد مسؤولية المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والدول العربية والإسلامية، في ضمان احترام وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع عودة الحرب أو استمرار القتل تحت أي مسمى.
وأين تحالف مكة من هذه الحصيلة؟ وأين الموقف العربي والإسلامي الموحد الذي يحوّل التضامن إلى حماية، والبيانات إلى إجراءات، والمطالبات إلى ضمانات قابلة للتنفيذ؟
إن دماء الفلسطينيين ليست مباحة، ووقف إطلاق النار ليس ورقة شكلية، والعدالة ليست ترفًا سياسيًا. فمن حق أسر الشهداء أن تعرف الحقيقة، ومن حق المصابين أن يجدوا العلاج، ومن حق أطفال غزة أن يعيشوا دون خوف، ومن حق العالم أن يعرف: مَنْ المسؤول، ومتى تبدأ المحاسبة؟
خامسًا: المسجد الأقصى.. المقدسات ليست ساحة لاستعراض القوة
في القدس، تتجاوز خطورة الوقائع حدود الخلاف السياسي إلى المساس بحرية العبادة والوضع القائم في أحد أقدس المواقع الإسلامية.
وفي 12 أبريل 2026، أفادت تقارير صحفية باقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى تحت حماية الشرطة، في خطوة أثارت إدانات فلسطينية ومخاوف من تصعيد التوتر حول المقدسات.
إن اقتحام مسؤول حكومي إسرائيلي رفيع للموقع في سياق سياسي شديد التوتر يثير أسئلة جدية بشأن احترام الوضع القائم، وخطر توظيف المقدسات في الصراع السياسي، واحتمالات التصعيد في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية.
فالأقصى ليس تفصيلًا في مفاوضات، ولا ورقة انتخابية، ولا مساحة لاختبار ردود الفعل العربية والإسلامية.
والمطلوب موقف دولي واضح يحمي حرية العبادة، ويحافظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، ويرفض الإجراءات الأحادية التي تزيد التوتر أو تمس حقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية.
كما أن الدفاع عن المسجد الأقصى لا يتحقق بالبيانات الموسمية وحدها، بل بتحرك دبلوماسي مستمر، وتنسيق عربي وإسلامي، ومساءلة قانونية، وحماية فعلية لحقوق المصلين.
سادسًا: الضفة الغربية.. الاستيطان والتهجير وجهان لأزمة واحدة
تستحق الضفة الغربية اهتمامًا لا يقل عن الاهتمام بغزة؛ فالتوسع الاستيطاني والاعتداءات على السكان والمزارعين قد يخلقان، مع مرور الوقت، وقائع يصعب تغييرها على الأرض.
وتشمل المخاطر الاعتداء على القرى والتجمعات البدوية، وتخريب المنازل والممتلكات، وإتلاف المحاصيل والأشجار، وتهديد المزارعين والرعاة، والضغط على السكان لمغادرة مناطقهم.
ولا يمكن فصل هذه الوقائع عن مستقبل الدولة الفلسطينية؛ فكل توسع استيطاني جديد، وكل اقتلاع لسكان من أرضهم، وكل عائق يحول دون اتصال التجمعات الفلسطينية جغرافيًا، يثير تساؤلات بشأن إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على أساس حل الدولتين.
إن حماية الفلسطينيين تتطلب مراقبة ميدانية موثوقة، وتوثيقًا دقيقًا للانتهاكات، وضمان وصول الصحفيين والمراقبين إلى المناطق المتضررة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق إجراءات قضائية عادلة.
وتكشف الاعتداءات التي طالت صحفيين ودبلوماسيين أجانب في أكتوبر 2026 أن الخطر لا يقتصر على الفلسطينيين وحدهم؛ فاستهداف من يوثق الوقائع أو يراقبها يهدد أيضًا حرية الصحافة والعمل الدبلوماسي، ويزيد أهمية توفير ضمانات حقيقية للحماية والمساءلة.
سابعًا: ماذا يعني وأد المقاومة في حسابات التهدئة؟
هنا نصل إلى السؤال السياسي الأكثر إلحاحًا: إذا كان تراجع المقاومة المسلحة أو إضعاف قدراتها يُطرح باعتباره طريقًا إلى إنهاء الحرب، فما الضمانات التي تمنع اتساع الاعتداءات والاستيطان بعد ذلك؟
إن انتهاء جولة من القتال لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع، كما أن تراجع قدرة طرف على الرد لا يضمن تلقائيًا حماية السكان المدنيين.
ولذلك، فإن قياس نجاح أي اتفاق للتهدئة لا ينبغي أن يقتصر على توقف إطلاق النار، بل يجب أن يشمل مؤشرات ملموسة، من بينها:
- وقف العمليات التي تعرض المدنيين للخطر، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق غير مشروعة.
- منع اعتداءات المستوطنين، والتحقيق في الجرائم، ومحاسبة مرتكبيها.
- وقف الإجراءات الرامية إلى التهجير القسري، وحماية المنازل والأراضي والممتلكات.
- احترام المقدسات وحرية العبادة، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.
- وضع مسار سياسي واضح يضمن الحقوق الفلسطينية، وينهي الاحتلال، ويتيح قيام دولة فلسطينية مستقلة.
فالسلام الذي يطالب الطرف الأضعف وحده بالتنازلات، ولا يضع ضمانات لحماية المدنيين، قد يوقف صوت السلاح مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور الأزمة.
ولا يجوز أن يصبح إضعاف المقاومة، أيًا كانت التقييمات السياسية بشأنها، ذريعة لتجريد الفلسطينيين من حقهم في الحماية أو للتعامل مع الاستيطان بوصفه أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.
ثامنًا: أين تحالف مكة؟ من فلسطين إلى استقرار الدول العربية
إذا كانت مكة المكرمة تمثل رمزًا لوحدة المسلمين، فإن السؤال عن «تحالف مكة» يتجاوز حدود فلسطين إلى مستقبل المنطقة العربية بأسرها.
هل يمكن لإرادة عربية وإسلامية مشتركة أن تحمي الفلسطينيين من الاعتداءات، وتمنع تهجيرهم، وتصون المسجد الأقصى، وفي الوقت نفسه تسهم في إنهاء الحروب والانقسامات التي تستنزف ليبيا والسودان ولبنان وسوريا والعراق واليمن؟
إن هذه الدول، على اختلاف ظروفها وأسباب أزماتها، تواجه تحديات تمس أمن مواطنيها ووحدة مؤسساتها وسلامة أراضيها. ولا يمكن اختزال هذه الأزمات في سبب واحد أو تحميلها لطرف واحد؛ فلكل دولة سياقها السياسي والاجتماعي والأمني، وأطرافها المحلية والإقليمية والدولية.
لكن القاسم المشترك هو أن استمرار الصراعات يبدد الموارد، ويضاعف النزوح، ويضعف مؤسسات الدولة، ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
ليبيا.. دولة موحدة ومؤسسات قادرة
تحتاج ليبيا إلى مسار سياسي شامل يفضي إلى مؤسسات موحدة، وتسوية للخلافات، وترتيبات أمنية مستقرة، وانتخابات تستند إلى توافق قانوني وسياسي، بعيدًا عن منطق فرض الأمر الواقع بالقوة.
ويمكن للدول العربية والإسلامية دعم الحوار الليبي، وتيسير التوافق، وتشجيع المصالحة الوطنية، واحترام سيادة ليبيا ووحدة أراضيها، مع الامتناع عن أي خطوات تزيد الانقسام أو تغذي الصراع.
السودان.. وقف الحرب وإنقاذ الإنسان
في السودان، تمثل الحرب مأساة إنسانية وأمنية عميقة، مع نزوح واسع واحتياجات إنسانية جسيمة وتضرر الخدمات الأساسية.
ويقتضي التحرك العربي والإسلامي الدفع نحو وقف مستدام للقتال، وضمان وصول المساعدات، وحماية المدنيين، ودعم مسار سياسي سوداني شامل يحفظ وحدة الدولة ويتيح استعادة مؤسساتها، دون فرض تسوية تتجاهل إرادة السودانيين.
لبنان.. السيادة والاستقرار وحماية المدنيين
يحتاج لبنان إلى حماية سيادته، وصون أمن مواطنيه، ومنع اتساع المواجهات، ودعم مؤسساته الدستورية والاقتصادية، مع العمل على تنفيذ الالتزامات الدولية ذات الصلة.
كما أن استقرار لبنان لا ينفصل عن وقف الاعتداءات على أراضيه، وحماية المدنيين، وإتاحة المجال أمام الحلول الدبلوماسية التي تمنع تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
سوريا.. وحدة الأرض والتعافي الوطني
تتطلب الأزمة السورية مسارًا يرسخ وحدة البلاد وسيادتها، ويحمي جميع مكوناتها، ويدعم التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات، ويتيح عودة آمنة وكريمة وطوعية للاجئين والنازحين وفق الضمانات اللازمة.
ولا يمكن تحقيق استقرار مستدام دون معالجة آثار سنوات الصراع، وتوفير الخدمات الأساسية، وتوسيع المشاركة السياسية، ومنع تجدد العنف والتدخلات التي تقوض السيادة السورية.
العراق.. حماية الدولة ومنع تجدد الصراع
يحتاج العراق إلى تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وحماية التنوع المجتمعي، ومنع استخدام أراضيه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.
ويمكن للتعاون العربي والإسلامي أن يدعم التنمية وإعادة الإعمار، ويعزز الحوار بين المكونات، ويساند الجهود الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مع احترام القرار الوطني العراقي.
اليمن.. سلام ينهي المعاناة
أما اليمن، فلا يزال بحاجة إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب، وتحمي المدنيين، وتخفف الأزمة الإنسانية، وتعيد بناء مؤسسات الدولة، وتفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي.
ويستدعي ذلك دعم الحوار اليمني، وتجنب التصعيد، وضمان وصول المساعدات، ومعالجة الأسباب السياسية والاقتصادية للصراع، بما يحفظ وحدة البلاد وسيادتها ويستجيب لتطلعات شعبها.
هذه الأزمات ليست متطابقة، لكن التعامل معها بمنطق التنسيق العربي والإسلامي، واحترام السيادة، والحوار، والعمل الإنساني، يمكن أن يحد من كلفتها ويمنح شعوب المنطقة فرصة لاستعادة الاستقرار.
تاسعًا: كيف يتحول تحالف مكة من فكرة إلى آلية عمل؟
إن الحديث عن تحالف مكة لا ينبغي أن يبقى شعارًا عاطفيًا يستدعي وحدة المشاعر في أوقات الأزمات، ثم يتراجع مع انحسار الاهتمام الإعلامي.
المطلوب، إذا أُريد لهذه الفكرة أن تتحول إلى مبادرة ذات أثر، هو بناء إطار عربي وإسلامي للتعاون السلمي، يستند إلى المؤسسات القائمة، ويحترم سيادة الدول، ويعتمد أدوات دبلوماسية وقانونية وإنسانية قابلة للقياس والتقييم.
ويمكن أن يقوم هذا الإطار على ستة محاور أساسية:
1. حماية الفلسطينيين والمقدسات: تنسيق الجهود السياسية والقانونية لوقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، ومواجهة التهجير والاستيطان، وصون المسجد الأقصى.
2. دبلوماسية وقائية: تكثيف الوساطة بين أطراف النزاعات، وفتح قنوات الاتصال، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى حروب ممتدة.
3. دعم الحلول الوطنية: مساندة التسويات التي يقودها أبناء كل دولة، واحترام استقلال القرار الوطني، ورفض فرض حلول بالقوة من الخارج.
4. آلية إنسانية مشتركة: تنسيق المساعدات والإغاثة، ودعم المستشفيات والمدارس والمساكن، وإعادة تأهيل البنية الأساسية في مناطق النزاع.
5. المساءلة واحترام القانون الدولي: دعم التحقيقات المستقلة، وحفظ الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق الأطر القانونية المختصة.
6. التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار: إطلاق برامج عربية وإسلامية للتنمية والتعافي، وتوفير فرص العمل، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات، بما يقلل عوامل الهشاشة وعدم الاستقرار.
ولا يعني هذا الإطار إنشاء قوة عسكرية جديدة أو فرض وصاية على الدول؛ بل يمكن أن يبدأ بتنسيق سياسي منتظم، وآليات للوساطة، وصندوق إنساني وتنموي، ومؤشرات معلنة لقياس التقدم، مع احترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
فالقوة الحقيقية لأي تحالف لا تكمن في كثرة شعاراته، بل في قدرته على منع الحرب، وحماية المدنيين، وصون السيادة، وتحقيق السلام العادل.
عاشرًا: مصر والدبلوماسية.. جسر بين وحدة الموقف واستقرار المنطقة
تظل مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها الإقليمية، طرفًا مهمًا في الجهود الرامية إلى وقف التصعيد، وتيسير المساعدات إلى غزة، ودعم القضية الفلسطينية، وتعزيز فرص التسويات السياسية في المنطقة.
لكن الدور المصري، شأنه شأن أدوار الدول العربية الأخرى، تزداد فاعليته عندما يستند إلى تنسيق إقليمي واسع، وأهداف واضحة، وتقاسم للمسؤوليات، ومتابعة مستمرة لتنفيذ التعهدات.
إن المطلوب هو الجمع بين الحوار الدبلوماسي والحماية الإنسانية، وبين تسوية النزاعات ومنع أسباب تجددها، وبين دعم الحقوق الفلسطينية والحفاظ على استقرار الدول العربية.
فلا يمكن بناء سلام إقليمي دائم مع استمرار الاعتداءات والاستيطان والتهجير، كما لا يمكن حماية الأمن العربي مع بقاء دول المنطقة غارقة في الحروب والانقسامات.
ومن هنا، فإن أي مبادرة عربية وإسلامية ناجحة ينبغي أن توازن بين الحقوق الوطنية، وسيادة الدول، وحماية المدنيين، والعمل المشترك من أجل التنمية والاستقرار.
الخاتمة: من مكة إلى القدس.. هل تستعيد المنطقة بوصلة السلام؟
من غزة التي تنتظر الإغاثة والإعمار، إلى الضفة الغربية التي تواجه الاعتداءات الاستيطانية، والمسجد الأقصى الذي يحتاج إلى حماية مستمرة، وصولًا إلى ليبيا والسودان ولبنان وسوريا والعراق واليمن؛ تتعدد الأزمات، لكن الإنسان يظل الخاسر الأكبر عندما تتراجع الدبلوماسية ويتقدم منطق القوة.
هل ينقذ تحالف مكة الفلسطينيين من ذئاب الاستيطان، ويسهم في إعادة الاستقرار إلى الدول العربية التي أنهكتها الحروب؟
الإجابة لا تصنعها الأسماء وحدها، ولا تكفي فيها النيات الطيبة؛ بل تتوقف على وجود إرادة سياسية مشتركة، وآليات تنفيذ واضحة، والتزام بالقانون الدولي، واستعداد لتحمل المسؤولية بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
فحماية الفلسطينيين لا ينبغي أن تكون مرهونة بوجود المقاومة أو غيابها، واستقرار الدول العربية لا يتحقق بإقصاء مكوناتها أو فرض الحلول عليها، وصون المقدسات لا يكون بالبيانات وحدها، وإنما بتحرك دبلوماسي وقانوني وإنساني مستمر.
1534 شهيدًا، و5486 مصابًا، و841 جثمانًا انتُشلت منذ وقف إطلاق النار؛ أرقام تستدعي الحقيقة والمحاسبة، لا الاكتفاء بالتعازي والبيانات.
وإذا كانت مكة رمزًا لوحدة المسلمين، والقدس رمزًا لمكانة فلسطين في وجدانهم، فإن تحويل هذه الرمزية إلى عمل مشترك يظل مسؤولية سياسية وأخلاقية وإنسانية.
فمن يحمي الفلسطينيين من ذئاب الاستيطان؟ ومن يوقف نزيف الدم العربي؟ وهل تصبح مكة منطلقًا لتنسيقٍ يرد الاعتبار للدبلوماسية، ويصون سيادة الدول، ويحمي الإنسان من الحروب والتهجير؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا أمام العواصم العربية والإسلامية، حتى تتحول وحدة الموقف من شعار إلى فعل، والتضامن من بيان إلى حماية، والحديث عن السلام من وعد سياسي إلى واقع يصون الإنسان والأرض والمقدسات.
ملاحظة تحريرية: الأرقام المتعلقة بالشهداء والمصابين وانتشال الجثامين أُدرجت وفقًا لما زوّدتموني به، ولم أتحقق بصورة مستقلة من مصدرها أو تاريخ تحديثها. يُرجى توثيقها ببيان رسمي قبل النشر. كما أن «تحالف مكة» مطروح في المقال بوصفه مبادرة مقترحة للتنسيق العربي والإسلامي، وليس تحالفًا قائمًا ثبت وجوده بهذا الاسم.



