من أنقرة إلى آفاق العالم التركي.. مبادرات أوزبكستان ترسم جسور التكامل الاقتصادي والثقافي
مبادرات الرئيس شوكت ميرضيائيف تفتح آفاقاً جديدة للتعاون بين الدول التركية.. والتجارة والاستثمار والنقل والتعليم والسياحة تتصدر مسارات الشراكة الاستراتيجية

أشرف أبو عريف
في قراءة استراتيجية لنتائج مشاركة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف في قمة منظمة الدول التركية، التي استضافتها العاصمة أنقرة يوم 30 أكتوبر 2026، أكد باختيار مصطفاييف، نائب مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان، أن المبادرات التي طرحتها بلاده تمثل خطوة مهمة نحو الانتقال بالتعاون بين الدول التركية من الروابط التاريخية والثقافية إلى شراكة مؤسسية واقتصادية أكثر عمقاً وتأثيراً.
وفي مقابلة مع وكالة أنباء «دونيو» الأوزبكية، استعرض مصطفاييف أبعاد المبادرات الأوزبكية، وما يمكن أن تحققه من فرص جديدة في مجالات الاستثمار والصناعة والتجارة والنقل والسياحة والتعليم وحماية البيئة، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للتعاون تكمن في تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات إنتاجية ومصالح اقتصادية ملموسة تعود بالنفع على شعوب الدول الأعضاء.
منظمة الدول التركية.. من الإرث المشترك إلى الشراكة الاقتصادية
وأوضح مصطفاييف أن انضمام أوزبكستان عضواً كاملاً إلى المنظمة عام 2019 فتح أمامها مجالاً أوسع لتطوير علاقاتها مع الدول التركية، مشيراً إلى أن المؤشرات التجارية تعكس بوضوح تصاعد أهمية هذا المسار.
فقد ارتفع حجم التجارة بين أوزبكستان ودول المنظمة، بما فيها الدولتان المراقبتان تركمانستان والمجر، من 4.13 مليار دولار عام 2017 إلى 10.82 مليار دولار عام 2025، بزيادة تقارب 2.6 مرة.
واستمر هذا النمو خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، مسجلاً زيادة قدرها 19.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وأكد أن هذه الأرقام تعكس انتقال الروابط التاريخية والثقافية إلى علاقات اقتصادية متنامية، لكنها تفرض في الوقت نفسه ضرورة التوسع في إقامة المشروعات الصناعية المشتركة، وتوفير التمويل الميسر، وتنسيق الإجراءات القانونية واللوجستية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تعميق التصنيع، وتوطين التكنولوجيا، وإنتاج سلع نهائية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، بما يسهم في بناء سلاسل إنتاج مستدامة وتوفير فرص عمل جديدة.
«الدول التركية بلس».. بوابة لشراكات دولية أوسع
وحول مبادرة الرئيس الأوزبكي لإطلاق صيغة «الدول التركية بلس»، من خلال اجتماعات الوزراء المعنيين بالقطاعات المختلفة، أشار مصطفاييف إلى أن الإمكانات الاقتصادية للدول الأعضاء والمراقبة تمنح المنظمة قدرة متزايدة على جذب الشركاء الدوليين.
ووفقاً للإصدار السنوي لعام 2025 من «المراجعة الاقتصادية التركية»، بلغ إجمالي الناتج المحلي للدول الأعضاء والمراقبة 2.11 تريليون دولار، فيما وصل حجم تجارتها الخارجية مع دول العالم إلى 1.12 تريليون دولار.
وأوضح أن هذه المؤشرات، إلى جانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي والموارد الطبيعية والأسواق المتنامية، تمثل عناصر جذب مهمة للمستثمرين والشركاء الخارجيين.
وشدد على أن التعاون الوزاري القطاعي يمكن أن يحول هذا الاهتمام إلى اتفاقيات عملية في مجالات التصنيع والنقل والتكنولوجيا والتمويل، مع ضرورة أن تسهم الشراكات مع الدول الأخرى في رفع المستوى التكنولوجي للإنتاج وتوسيع الأسواق التصديرية.
«العالم التركي 100».. مائة مشروع ترسم خريطة الاستثمار
وفيما يتعلق بمبادرة «العالم التركي – 100»، التي تستهدف تنفيذ مائة مشروع استراتيجي في مجالي الاستثمار والصناعة، أوضح مصطفاييف أن المنظمة تمتلك بالفعل بنية مالية يمكن البناء عليها، وفي مقدمتها صندوق الاستثمار التركي.
وبحسب البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للصندوق، يبلغ رأس ماله المصرح به 600 مليون دولار، بعد توقيع اتفاقية تأسيسه عام 2023، وإعلانه بدء عملياته عام 2025.
وتشمل أولوياته الصناعة والبنية التحتية والطاقة المتجددة ودعم ريادة الأعمال.
وأشار إلى أن الصندوق لا يمثل الميزانية الكاملة اللازمة لتنفيذ مائة مشروع، وإنما يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في إعداد المشروعات، وتقليل المخاطر الاستثمارية في مراحلها الأولى، وجذب المؤسسات المصرفية الدولية والمستثمرين من القطاع الخاص.
وأكد أن المشروعات المتعلقة بتصنيع المعادن النادرة والاستراتيجية، وإنتاج المعدات اللازمة للطاقة النظيفة، تحتاج إلى دراسات دقيقة للطلب والتكنولوجيا وتكاليف الإنتاج والعائد الاستثماري.
فالهدف ليس مجرد ضخ الأموال، بل بناء قدرات صناعية جديدة وإقامة شراكات إنتاجية تحقق قيمة مضافة لجميع الأطراف.
الحماية القانونية.. ضمانة لاستدامة الاستثمارات
وعن اقتراح إبرام معاهدة للمساعدة القانونية المتبادلة في المسائل التجارية، أوضح مصطفاييف أن اتساع العلاقات الاقتصادية يفرض توفير ضمانات قانونية أكثر فاعلية لحماية المستثمرين والشركات.
وأشار إلى أن أوزبكستان تستضيف آلاف الشركات المرتبطة برؤوس أموال دول المنظمة؛ إذ بلغ عدد الشركات العاملة برؤوس أموال تركية 2137 شركة، فيما وصل عدد الشركات ذات رؤوس الأموال الكازاخستانية إلى 1212 شركة، وفقاً لبيانات اللجنة الوطنية للإحصاء في أوزبكستان حتى الأول من يناير 2026.
وبذلك يصل عدد الشركات المرتبطة بهاتين الدولتين وحدهما إلى 3349 شركة.
وأكد أن المعاهدة المقترحة يمكن أن تسهم في تسهيل الحصول على الوثائق القانونية، وحماية الحقوق التجارية، وتنفيذ الأحكام القضائية عبر الحدود، فضلاً عن تطوير التبادل الرقمي للطلبات بين الجهات المختصة.
وأوضح أن هذه الخطوة ستكون ذات أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك الإمكانات اللازمة لتوفير فرق قانونية في عدة دول.
الممر الأوسط.. من عبور البضائع إلى صناعة التنمية
وفي ملف النقل واللوجستيات، أكد مصطفاييف أن تزايد حركة الشحن عبر الممر الأوسط يجعل التنسيق بين الدول ضرورة اقتصادية لا تحتمل التأجيل.
واستشهد بتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن تعزيز تنافسية ممر النقل العابر لبحر قزوين في آسيا الوسطى، الذي أشار إلى تجاوز حجم الشحن عبر الممر الأوسط 4.7 مليون طن عام 2025، مع استمرار بعض التحديات المتعلقة بالبنية التحتية والتنظيم.
وأوضح أن مبادرة إنشاء شبكة للمجمعات اللوجستية للدول التركية تستهدف تنسيق مواعيد النقل، وتبادل بيانات الشحن، والحجز المسبق للطاقة الاستيعابية للمحطات والمراكز اللوجستية.
وأشار إلى أن هذه الشبكة يمكن أن توفر خدمات إضافية تشمل التخزين والتعبئة والفرز ومعالجة المنتجات، بما يحقق عوائد اقتصادية تتجاوز مجرد عبور البضائع.
فالممر الأوسط، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يكون مجرد طريق لنقل البضائع، بل جسراً لإقامة المشروعات الصناعية وتحفيز التنمية الإقليمية وربط الشركات الأوزبكية بالأسواق العالمية.
السياحة التركية.. ملايين الزوار وجسور من التقارب
وفيما يتعلق بمبادرة إنشاء تحالف للسياحة التركية، أشار مصطفاييف إلى أن الرئيس الأوزبكي لفت خلال القمة إلى أن الدول التركية استقبلت أكثر من 100 مليون سائح دولي خلال عام 2025.
وأوضح أن أوزبكستان شهدت بدورها نمواً ملحوظاً في أعداد الزوار الأجانب، حيث بلغ عدد القادمين لأغراض السياحة 11.7 مليون زائر عام 2025، بزيادة قدرها 46.8% مقارنة بالعام السابق.
وجاء من قيرغيزستان 3.3 مليون زائر، ومن كازاخستان 2.7 مليون، ومن تركيا 174.9 ألف زائر.
وفي الاتجاه المقابل، قام مواطنون أوزبكيون بنحو 3.3 مليون رحلة سياحية إلى قيرغيزستان، و1.3 مليون رحلة إلى كازاخستان، و268.9 ألف رحلة إلى تركيا.
وأكد أن هذه الحركة السياحية تمثل قاعدة قوية لتطوير برامج سياحية مشتركة تشمل أكثر من دولة، والترويج لها في الأسواق العالمية، إلى جانب تسهيل حركة المواطنين وتوسيع استخدام بطاقات الهوية في السفر وفق الاتفاقات المقترحة.
وشدد على أهمية تحويل زيادة أعداد الزوار إلى عوائد اقتصادية مباشرة للمناطق المحلية، من خلال الفنادق والمرشدين السياحيين والحرف اليدوية والمطاعم والمأكولات التقليدية.
200 منحة سنوياً.. الاستثمار في عقول المستقبل
وفي المجال التعليمي، أوضح مصطفاييف أن مبادرة الرئيس الأوزبكي لتقديم 200 منحة دراسية سنوياً لشباب الدول التركية تأتي امتداداً لتعاون أكاديمي وعلمي قائم بالفعل.
وأشار إلى أن أربع جامعات أوزبكية، بالتعاون مع جامعتين تركيتين، تنفذ ستة برامج للحصول على درجة البكالوريوس خلال العام الدراسي 2025/2026، يدرس بها 718 طالباً.
كما شارك نحو 300 أستاذ وباحث في برامج التبادل العلمي خلال السنوات الخمس الماضية، ومن بين أكثر من 400 طلب تقدم بها باحثون ضمن دعوات البحث المشتركة مع مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي «توبيتاك»، تمت التوصية بتمويل 53 مشروعاً بحثياً.
وأكد أن برنامج «منحة أوزبكستان الجديدة» يستهدف توسيع هذه الشراكة، مع التركيز على إعداد المهندسين والباحثين والمتخصصين في النقل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
وأضاف أن ربط المنح الدراسية بالتدريب داخل المؤسسات الصناعية ومشاركة الشركات في تحديد الأولويات البحثية سيضمن تحويل المعرفة الأكاديمية إلى قدرات إنتاجية حقيقية.
فالاستثمار في الإنسان هو الضمان الأهم لاستدامة التعاون، وبناء أجيال تمتلك المعرفة واللغة والخبرة اللازمة لصناعة مستقبل مشترك.
حماية الطبيعة.. ذاكرة آرال تتحول إلى مشروع إقليمي
وفي الشق البيئي والثقافي، أشار مصطفاييف إلى تأييد قمة أنقرة مبادرة إعلان عام 2027 عاماً لحماية الطبيعة، إلى جانب اقتراح إعداد قاموس للكلمات التركية المشتركة.
وأوضح أن أوزبكستان تمتلك تجربة مهمة في مواجهة التحديات البيئية، خاصة في منطقة بحر آرال، حيث أُنشئت غابات جديدة على مساحة تجاوزت مليوني هكتار في قاع بحر آرال الجاف.
كما ارتفعت نسبة الغطاء الأخضر في البلاد من 8% عام 2020 إلى 14.3% عام 2025، وفقاً للمعلومات المنشورة عن رئاسة جمهورية أوزبكستان في 6 يوليو 2026.
وأكد أن هذه التجربة تتيح فرصاً لتبادل الخبرات والتقنيات المتعلقة باستصلاح الأراضي، وزراعة النباتات المقاومة للجفاف، ومراقبة المناطق المزروعة، وتدريب المتخصصين على التكيف مع التغيرات المناخية.
أما على الصعيد الثقافي، فأوضح أن أكثر من خمسة آلاف طالب في أوزبكستان اختاروا اللغة التركية لغة أجنبية ثانية، وهو ما يمنح مشروع قاموس الكلمات التركية المشتركة أهمية تعليمية وثقافية كبيرة.
وشدد على ضرورة إعداد نسخة رقمية للقاموس، مدعومة بأمثلة الاستخدام ومواد تعليمية ميسرة، مع مراعاة الدقة العلمية في توضيح الجذور المشتركة والاختلافات الدلالية بين اللغات.
قمة أنقرة.. من إعلان النوايا إلى صناعة النتائج
وفي تقييمه العام لنتائج القمة، أكد مصطفاييف أن إعلان أنقرة وضع أولويات مشتركة لتطوير التعاون، وأن المبادرات الأوزبكية تستند إلى قاعدة كبيرة من المشروعات الاستثمارية القائمة بالفعل.
وأشار إلى أن العمل يجري خلال عام 2026 على تنفيذ 280 مشروعاً بمشاركة شركاء من دول المنظمة، بما فيها تركمانستان والمجر، بقيمة إجمالية تبلغ 17.24 مليار دولار، فيما وصل حجم الاستثمارات في هذه المشروعات إلى 3.84 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس.
وأوضح أن الآليات المقترحة تستهدف بالدرجة الأولى تسهيل إعداد المشروعات وتنفيذها، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للاستثمار والإنتاج والتجارة.
وشدد على أن المعيار الحقيقي لنجاح هذه المبادرات يتمثل في النتائج الملموسة التي يشعر بها المواطنون وقطاع الأعمال؛ من إطلاق خطوط إنتاج جديدة وتوطين التكنولوجيا، إلى خفض تكاليف النقل وضمان وصول البضائع، وتعزيز الحماية القانونية للمصالح التجارية.
كما ينبغي أن تنعكس الشراكة التعليمية والسياحية والبيئية على توسيع الفرص أمام المواطنين وزيادة دخول المؤسسات والشركات المحلية.
واختتم بالتأكيد على أن تنفيذ المبادرات التي طُرحت في أنقرة يتطلب الاتفاق على تفاصيل المشروعات ومصادر تمويلها، حتى تتحول المؤسسات المشتركة إلى أدوات فعالة لدعم الاستثمار والإنتاج والتجارة.
إن الرسالة الأبرز من قمة أنقرة أن العالم التركي يمتلك اليوم مقومات الانتقال من وحدة التاريخ واللغة والثقافة إلى وحدة المصالح والمشروعات والفرص؛ وأن المبادرات الأوزبكية بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف تفتح نافذة جديدة لشراكة إقليمية أكثر طموحاً، يكون الإنسان والاقتصاد والتنمية في قلبها.



