لمن له ظل.. المهنية والحياد فى الصحافة الغربية
المستشار الإعلامى بالهيئة العامة للإستعلامات سابقا
حرية الرأى هى أحد الحقوق الأساسية للإنسان التى أقرتها الأعراف والمواثيق الدولية والإعلان العالمى لحقوق الإنسان ، وتكفلها كافة دساتير العالم، وتتضمن أغلب دساتير دول العالم الديمقراطية وحتى غير الديمقراطية نصوصاً تؤكد على احترام هذا الحق وعدم المساس به ، كما يصاحب حرية الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حرية الصحافة وحرية التفكير والنقد والمعارضة ، والتقييم في شؤون السياسة والثقافة والاقتصاد.
وبرغم كل ما ينشر من مزاعم فى أوروبا وأمريكا عن حرية الصحافة، وكونها حرية مطلقة وحق أصيل يتطابق مع ثقافاتهم وقيمهم الغربية، إلا أن واقع الحال يشى بأن المصالح المادية والسلطوية هي التي تقرر فى الأغلب الأعم تلك الحدود،فلم يسبق تاريخياً أن وجدت حريات مطلقة، ولا توجد في الوقت الحاضر في أي بلد في العالم حريه صحافة، وحياد مهنى وأخلاقى، فجميع أجهزة الإعلام والصحف أسيرة لتوجهاتها يمينا أويسارا أو طبقا لميول الممولين وأصحاب راس المال والإعلانات المدفوعة الأجر.
من واقع متابعتى عن قرب للعديد من اجهزة الإعلام الغربية فى أوروبا وأمريكا خلال السنوات الثلاثة الماضية، أثناء ماأطلق عليه ثورات الربيع العربى إكتشفت رداءة الصورة فى اكبر الإمبراطوريات الإعلامية والمسؤلين عن إدارتها، بل وبعض الصحفيين الذين يفتقدون للحد الأدنى للمهنية، والإلتزام بمواثيق الشرف الإعلامى الذى يتم الإلتزام به فقط على صعيد الأوضاع الداخلية فى القضايا التى تهم عامة الشعب المتمثلة فى الرعاية الصحية، وسياسات الأجور،والخدمات التأمينية، وممارسة الحقوق السياسية، والعمل الحزبى، والرقابة على الأداء الحكومى،وفضائح التنصت على المسؤلين، أو ما يتعلق بحقوق الطفل ، وكثيرا ما يتم الإعلان عن نجاح هذه الأجهزة الرقابية فى تصحيح الأخطاء دون عقوبات رادعة للقائمين عليها وكانت عقوبة الإغلاق لصحيفة نيوز أوف ذي وورلد المملوكة لإمبراطور الإعلام روبرت ميردوخ فى فضيحة تنصتِ على الهواتف من أجل الحصول على السبق الصحفي عام 2012 هى العقوبة الأقسى فى بريطانيا على سبيل المثال.
أما بالنسبة لغالبية ما تنقلة أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فى أمريكا ودول الإتحاد الأوروبى عن الشؤن لدولية، ومناطق الصراع فى العالم فهو يعد بحق أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الذى يتم توظيفها للتأثيرعلى تطورات الأحداث لخدمة مصالحهم الخاصة،علاوة على أن ما تنشره الصحف غالبا ما يكون مرآة تعكس وجه نظر السياسة الخارجية للدولة تجاه القضايا الدولية ، بل وتتضمن أحيانا رسائل ضمنية لجماعات سياسية، وعرقية معينة بأنها محط إهتمام، ورعاية من الدول الكبرى لدعمها معنويا، وهو سلاح بالغ التأثيرعلى مجريات الأحداث فى مناطق الصراع لأنه يشكل حصارا خانقا من الراى العام الدولى الغير مواتى أو المعادى لدولة أو مجموعة من الدول.
ولا يخفى على أحد أن هناك دول كبرى تدعو لعقد إجتماعات دوريه غير معلنه بوزارة الخارجية مع رؤساء تحرير الشؤن الخارجيةفى كبريات الصحف لديهم لعرض الخطوط العريضة لتوجهات والسياسات الخارجية للحكومة والحزب الحاكم إزاء القضايا الدولية فى مناطق الصراعات، بحيث يتم توظيف المنتج الإعلامى من تحليلات صحفية أومقالات الرأى، اوالإفتتاحيات والبرامج الإخبارية ، وما تثبه الإذاعات الموجهة، والمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الإجتماعى ومراكز الأبحاث، والباحثين وأساتذه الجامعات الذين يتم الإستعانة بأراءهم للتعليق، والمداخلات التليفزيونية، ومراسلى الصحف، يتم توظيفهم جميعا لتشكيل شبكة رأى عام تجاه دولة بعينها لخدمة أغراضهم السياسية ، وفى هذا السياق تظهر برامج دعائية غير مهنية ومضللة ، وغير دقيقه على طريقة دس السم فى العسل، علاوة على التغطيات الصحفية لمراسلي الصحف ومحطات التليفزيون الذين يتلقون تعليماتهم من سفارات بلادهم، ويتم تكليفهم بالقيام بدور محدد بدقة لخدمة أهداف وتوجهات دولهم فى المقام الأول.
حدث ولا حرج فى هذة الحالة عن تغاضى الهيئات المعنية بمواثيق الشرف عن عشرات الشكاوى حول الأخطاء المهنية والمعلوماتية المضلله التى تبثها وسائل الإعلام للقراء والمشاهدين والتى غالبا ما يتم تبريرها بدعاوى حرية التعبير!
لقد كشف تقرير موثق لهيئة أخلاقيات الإعلام الأمريكية iMediaEthics صدر فى ديسمبر 2014 أن ديفيد كيرك باتريك مراسل جريدة النيويورك تايمز بالقاهرة كتب 125 تقريرا بعد أحداث ثورة 30 يونية 2013 ، منها إفتتاحيات عصماء ، ومانشيتات عريضة دون أن يكلف نفسه الإتصال بأحد المسؤلين المصريين للتعليق أولتصحيح معلومة أو إستطلاع رأيه بحثا عن الحقيقة، وكان غالبا ما يلجأ لمصادر مجهلة، وإتسمت كل تغطياته بالإنحياز الكامل لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية.
كذلك الحال بالنسة لمحطة البى بى سى فى بريطانيا بقنواتها المختلفة المسموعة والمرئية بكل اللغات، الذين سلموا مفتاح المحطة لعناصر الإخوان بالتنظيم الدولى المقيمين فى لندن، ولم يتم مراعاة المهنية فى إختيار نوعيه الضيوف، وإتاحة فرص متساوية للمتحدثين المدافعين عن الشأن المصرى للتعبير عن أراءهم، ومقاطعتهم لإعطاء المجال لعناصر إرهابية هاربة وصادر ضدها أحكام قضائية فى مصر للحديث، أو إستدعاء هذه العناصر للتعليق بعد مسؤلين مصريين دون علمهم أو أتاحة الفرصه لهم للتعليق لاحقا، هذا بخلاف الأخطاء المعلوماتية والتاريخية التى التى طالما إرتكبوها بجهل، وأحيانا عن عمد وعدم تصحيحها أوالإعتذارعنها بالشكل اللائق وعدم إعمال حق الرد . وهناك العديد من الشكاوى مقدمه لهيئة الأوفكوم ومدراء المحطة بشأن هذه التجاوزات.
أبرز مثال على خطورة ما تفعلة أجهزة الإعلام الدوليه تجاه مصر ما حدث فى التغطية الإعلامية لأحداث ثورة 25 يناير 2011 ، وتغطية نفس أجهزة الإعلام لثورة 30 يونية 2013، فقد لاقت ثورات الربيع العربى فى مصر وتونس وغيرها من دول المنطقه، حماسا وقبولا واسعا من أمريكا وأوروبا ، وإتسمت التغطيات الإعلامية بالتوازن والإيجابية إلى أقصى درجة، والعكس صحيح بالنسبة لثورة 30 يونية 2013 ، فبالرغم من خروج حشود أكبر تنادى بسقوط الإخوان ،فقد لاحظنا حجم التغيير فى التوجه الإعلامى 360 درجة من نفس الصحفيين، والمراسلين ليعكس السياسة الخارجية لهذه الدول ودعمهم لمخطط تنصيب الإخوان، والإستمرار فى التضليل بإستخدام لفظ “الإنقلاب ” وتوظيف آله إعلامية فاجرة فى بريطانيا وفرنسا وألمانيا ومن مقر الإتحاد الأوروبى فى بروكسل، وفى الولايات المتحدة الأمريكية لتشويه الحقائق عن مصر، شارك فيها العديد من كبريات الصحف ومحطات التليفزيون إلى جانب بعض الصحفيين، والمحللين الذى باعوا ضمائرهم لدويلة خليجية، بالتعاون مع بعض منظمات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث.
لا يجب المبالغة فى عملية جلد الذات وإلقاء التهم جزافا على مؤسسات وطنية تم تحميلها أوزار الآخرين، وإتهامها زورا بالتقصير فى نقل الصورة ، فى وقت سيطر فيه الإخوان على العمل الديبلوماسى، وتولى فيه عصام الحداد مهام وزارة الخارجية وسط ذهول وصمت أدى لتجميد دورها فى وقت تسارعت فيه وتيرة الأحداث فى مصر،الحقيقة المجردة الأكثر وضوحا الآن أن هناك ثمة توجه عام من الدول الكبرى داعم ومؤيد للإخوان – ولا يزال- منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 حتى الآن ، ولا يزال يستخدم وسائله الإعلاميه المسيسة لفرض مخططات وترتيبات أعدت بعناية لمنطقة الشرق الأوسط ، والحل الأمثل لهذا الوضع كان يجب أن يكون ديبلوماسيا فى المقام الأول لمخاطبة الساسة وصناع القرار، والبرلمانيين وتوظيف جيد لقوافل الديبلوماسية الشعبية لتغيير الإتجاه من المنبع منذ بداية الأحداث ، أما ما تبثه أجهزة الإعلام الغربية فسوف يتغيرتباعا بتغيير التوجهات والسياسات، وهو ما يحدث من خلال الزيارات الخارجية لوزير الخارجية وللرئيس عبد الفتاح السيسى والمشاركة الفاعلة فى المحافل الدولية.




