
د. أحمد مصطفى يكتب
مدير مركز آسيا للدراسات والترجمة
شكّلت نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 لحظة فاصلة في تاريخ البشرية؛ إذ دشّنت قيام منظمة الأمم المتحدة على أمل أن تكون الحارس الأمين للسلم والأمن الدوليين. تأسست على مبادئ الأمن الجماعي، وحقوق الإنسان، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ورُوِّج لها باعتبارها الضمانة الكبرى لئلا يتكرر مشهد الخراب العالمي. ومع حلول الذكرى الثمانين لتأسيسها عام 2025، يتجدد السؤال: هل أنجزت الأمم المتحدة وعدها الأول؟
لقد نجحت المنظمة في التوسط بين أطراف نزاع، ودعمت مسيرة إنهاء الاستعمار، وأطلقت برامج إنسانية وتنموية غير مسبوقة. لكنها أخفقت في منع الحروب المستمرة في فلسطين المحتلة وغزة وسوريا واليمن والسودان وليبيا، كما عجز مجلس الأمن – المُثقل بحق النقض – عن فرض العدالة على القوى الكبرى. بين مؤيد يرى في الأمم المتحدة مظلة ضرورية لتفادي الكوارث، وناقد يصفها بالعاجزة أو المسيسة، يبقى سجلها متباينًا: لم تُلغِ الحروب، لكنها وضعت إطارًا – ناقصًا لكنه لا غنى عنه – لصناعة السلام.
إرث ما بعد الحرب وتحديات القرن
رغم صمود الأمم المتحدة ثمانية عقود، فإن التحديات تضاعفت: قوميات متصاعدة، تنافس بين قوى عظمى، وظهور فاعلين غير دوليين. ومع ذلك، تظل وثائقها الكبرى – من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) إلى اتفاقية باريس للمناخ (2015) – شاهدة على دورها المعياري العابر للأجيال. لكن المقارنة بين المثال والممارسة تكشف الفجوة: من غزة المشتعلة إلى أوكرانيا، ومن التدخلات في العراق وليبيا إلى فساد بعض الوكالات، لم تكن الأمم المتحدة دومًا على مستوى الوعد.
سؤال المستقبل
هل ستبقى الأمم المتحدة حجر الزاوية للتعاون الدولي، أم ستتراجع أمام صعود كيانات موازية كـ بريكس، و”الحزام والطريق”، ومنظمة شنغهاي للتعاون؟ هل يمكن إصلاح مجلس الأمن وتجديد مؤسساتها، أم أن حق النقض والبيروقراطية والازدواجية الأخلاقية ستظل قيودًا قاتلة؟
ثمانون عامًا مضت منذ صمتت المدافع في أوروبا. وما زال العالم يتساءل: هل كان إنشاء الأمم المتحدة بداية سلامٍ عالمي، أم مجرد هدنة طويلة تحت مظلة قانون هش؟ إن مستقبل المنظمة مرهون بقدرتها على العودة إلى مبادئها الأولى: حياد حقيقي، مساءلة شفافة، وأمن جماعي فعّال. وإلا، فسيكتب التاريخ أن الأمم المتحدة كانت حلمًا جميلاً، لكنه حلم تآكل على صخرة المصالح.



