رئيس التحريرسلايدر

الهجوم الإسرائيلي على إيران: رسائل النار وحدود الصمت

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

في الوقت الذي تُطحن فيه غزة تحت نيران آلة عسكرية لا تعرف هوادة، ويتساقط قادة المقاومة واحدًا تلو الآخر في عمليات اغتيال مركزة، جاء فجر الثالث عشر من يونيو ليحمل تصعيدًا نوعيًا بالغ الخطورة: هجوم إسرائيلي مباشر داخل الأراضي الإيرانية.
تزامن ذلك مع تسريبات أحدثها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خلال جولته الخليجية الأخيرة، مفادها أن بعض الدول العربية طالبته سابقًا بضرب إيران “بقوة”، في حين أعربت قطر عن رفضها لذلك السيناريو.
فهل جاءت الضربة الإسرائيلية اليوم امتدادًا لتلك الرغبات غير المعلنة؟ وهل تدخل في إطار هندسة ميدانية لإعادة ترتيب أوراق الإقليم عبر النيران؟

● القاهرة والجامعة العربية: موقفان متوازيان للحيلولة دون الانفجار

الرد المصري جاء من خلال سلسلة اتصالات أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظرائه في فرنسا، اليونان، قبرص، والعراق، مؤكِّدًا أن الضربة الإسرائيلية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتُنذر باتساع رقعة الصراع.

من جهتها، أدانت الجامعة العربية بشدة الهجوم، مطالبةً المجتمع الدولي بتدخل فوري لمنع التصعيد.
البيانان يعبّران عن قلق عربي مشروع من أن يؤدي هذا الفعل إلى تحوّل درامي في طبيعة الاشتباك الإقليمي، قد يشمل دولًا عربية مجاورة، ويضع أنظمتها أمام معادلات أمنية وأخلاقية أكثر تعقيدًا.

● إيران: بين مفاجأة الضربة وحدود الرد

خلافًا لردودها السابقة التي كانت تأتي سريعًا ومباشرًا، بدا أن طهران اختارت التريث. تصريحات حذرة، تنديد تقليدي، دون رد عسكري فوري، ما فتح باب التساؤل:

  • هل جاء الهجوم مفاجئًا بما يفوق قدرة إيران على الاستيعاب السريع؟
  • أم أن القرار السياسي في طهران يتّجه نحو التهدئة التكتيكية مع تحضير رد غير تقليدي لاحق؟
  • أم أن إيران باتت تخشى مواجهة قد تؤدي إلى تآكل قدراتها في وقت تتعرض فيه حلفاؤها لضربات مركزة؟

● ترامب والخليج: هل أصبحت إسرائيل منفذًا لرغبات إقليمية؟

ما قاله ترامب مؤخرًا في جولته الخليجية أثار جدلًا واسعًا، حين صرّح بأن دولًا عربية – لم يُسمّها – طلبت منه مرارًا توجيه ضربات قاسية لإيران أثناء رئاسته، في حين وقفت قطر – كما قال – ضد هذه الفكرة.
تلك التصريحات، في سياق توقيت الهجوم الإسرائيلي، تُعيد إحياء فرضيات قديمة حول:

  • إسرائيل كذراع ضاربة بالنيابة عن أطراف عربية ترى في إيران تهديدًا وجوديًا.
  • وإيران التي تُحاصر من الداخل والخارج، وتُستنزف في معارك غير متكافئة على الجبهات اليمنية، السورية، واللبنانية.

هذا المعطى يُعمّق الانقسام العربي حول الموقف من طهران، ويُفرز خريطة اصطفافات جديدة ربما لا تستند إلى مواقف عقائدية بقدر ما تعكس حسابات أمنية واقتصادية باردة.

● الأبعاد العربية والإقليمية والدولية للهجوم

◾ عربيًا:

الحدث يعيد ترتيب الأولويات. ما بين دول ترى في إيران حليفًا إقليميًا، وأخرى ترى فيها مصدر تهديد مباشر، تتعمق الفجوة داخل النظام العربي، ويتراجع الحديث عن موقف موحد أو استراتيجية إقليمية جامعة.
الموقف المصري يمثل توازنًا استراتيجيًا نادرًا في المشهد الحالي، إذ يرفض التصعيد لكنه لا يصمت عن الخرق السافر للسيادة، ويدعو إلى حلول تحفظ الأمن الجماعي دون مجازفة.

◾ إقليميًا:

الهجوم يرسل رسائل عديدة:

  • إلى تركيا التي باتت أكثر قربًا من طهران في قضايا إقليمية.
  • إلى روسيا التي تراقب بحذر التداخلات في عمق حليفها الإيراني.
  • وإلى دول الخليج، التي تجد نفسها مجددًا على مفترق طرق بين رغبة في احتواء إيران وبين خشية من رد فعل غير محسوب.

◾ دوليًا:

الضربة تُحرج إدارة ترامب التي تسعى لضبط الإيقاع بين دعم إسرائيل وضمان عدم اشتعال المنطقة عشية الانتخابات. كما تفتح بابًا للضغوط على أوروبا التي تُفضّل الحوار النووي على المواجهة.

● الخلاصة: المنطقة في لحظة اختبار كبرى

قد لا يكون الهجوم على إيران مجرد واقعة معزولة، بل خطوة محسوبة ضمن سيناريو “إعادة ضبط التوازنات” عبر القوة الصلبة.
وفيما تبدي إيران حتى اللحظة صبرًا تكتيكيًا، فإن استمرار هذا النمط من الاستفزازات قد يدفعها إلى كسر قواعد الاشتباك، ما يفتح بابًا أمام مواجهة إقليمية لا تُبقي ولا تذر.

ويبقى على العواصم العربية أن تتحرّك وفقًا لمصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد، لا وفقًا لانفعالات اللحظة أو اصطفافات عابرة. فالمرحلة القادمة لن تعترف إلا بمن امتلك أدوات الردع، وحكمة الإدارة، ورؤية متكاملة للأمن القومي العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى