
أشرف أبو عريف
في قلب القاهرة، حيث يلتقي التاريخ بالتاريخ، تنفّست السفارة التركية نسيمًا من نوعٍ خاص؛ نسيمٌ يفوح برائحة الـ 107 أعوام من المجد، ويحمل بين طياته صدى تلك اللحظة الفارقة في 19 مايو 1919، يوم أن أشعل الغازي “مصطفى كمال أتاتورك” شعلة الكفاح الوطني في “سامسون”. لم يكن الاحتفال بيوم الشباب والرياضة مجرد طقسٍ بروتوكولي، بل كان تظاهرةً إنسانية تآخت فيها الأرواح، واحتضنت فيها شمس مصر قلوبًا جاءت من تركيا وفلسطين لتصنع معًا لوحةً حيّة للسلام والتضامن.
معزوفة الشدْو والكلمات: أوتارٌ تلتقي على ضفاف الضمير
بدأت الحكاية بوقار النغم، حيث تلاحم النشيدان الوطنيان لتركيا ومصر، معلنين بداية عهدٍ يتجدد. ومن أنقرة، حلّقت رسالة الرئيس “رجب طيب أردوغان” لتضفي على الجمع بريقًا من العزم.
توالت الكلمات كحبات عقدٍ فريد؛ السفير التركي لدى القاهرة، “صالح موطلو شن”، فاضت كلماته بالرؤية والأمل، وشاركه الرؤية رئيس جامعة أنقرة الأستاذ الدكتور “نجدت أونوفار” في خطوةٍ لمد جسور المعرفة بين الجامعات المتآخية، بينما حمل “ناجي ناجي”، مستشار السفارة الفلسطينية، في نبرته صدى الأرض والجرح الحاضر.
بين الرماية التركية التقليدية التي أحيت تراث الأجداد، وبراعة عازفة الناي “سينم هوندور أوغلو” (من فرقة إسطنبول الحكومية للموسيقى الشعبية الحديثة) التي سحرت الحضور بنغماتها الشجية بعد أن أطربت جدران المتحف المصري الكبير في يوم المتاحف العالمي، كان الشباب يعزفون سيمفونيةً خاصة. شبابٌ شقّوا طريقهم نحو المستقبل بتعلم اللغة التركية في مركز “يونس إمره”، ليثبتوا أن اللغة جسرٌ، وأن الثقافة موعدٌ لا يخلفه الأحرار.
فلسطين في القلب: شعلة الحرية لا تنطفئ
“إن الإنسانية تُختبر اليوم في غزة، وهذا الاختبار هو اختبارٌ للضمير الإنساني والقانون الدولي.”
— سفير تركيا، صالح موطلو شن
لم تغب فلسطين عن مشهد الفرح، بل كانت روحه وعمقه. تلاقت الآمال بأن يوم 15 مايو ليس مجرد ذكرى، بل هو نقطة انطلاق لنهضةٍ وطنية فلسطينية بدأت بالفعل. أكد السفير “شن” بأملٍ يملأ الأفق أن الشباب الفلسطيني هم السواعد التي ستبني دولة فلسطين الحرة، المستقلة، وذات السيادة. وبإيمانٍ راسخ، شدّد على أن تركيا — بقيادة الرئيس أردوغان — ستظل كتفًا بكتف مع مصر في دعم نضال فلسطين من أجل حريةٍ تنعم بالأمان والسلام.
ساحات الرياضة: جسورٌ من ذهبٍ وبرونز
ولأن الجسد القوي يحمل الروح الحرة، التفتت الكلمات بالإشادة نحو أرض مصر التي تحولت إلى ساحةٍ عالمية لاحتضان البطولات وبناء جسور الصداقة بين شعوب الأرض. فخرٌ تركي ومصري متبادل تجسّد في ملاحقة الإنجازات:
-
ثلاث ميداليات برونزية قلدت صدور الرياضيين الأتراك في بطولة العالم لرفع الأثقال للناشئين بالإسماعيلية.
-
الرياضي المصري “آدم أسيل” الذي رفرف بالإنجازات تحت العلم التركي، كرمزٍ حي لامتزاج الدمين والجهدين.
ميثاق الغد: الأحلام تصنع الأوطان
وفي ختام الأمسية التي غمرها الشغف، تطلع السفير “شن” إلى عيون الشباب (الذين تراوحت أعمارهم بين 14 و18 عامًا) كمن ينظر إلى فجرٍ صادق، ومسّت كلماته شغاف قلوبهم بأن: لا تتخلوا عن أحلامكم أبداً. فبالإيمان المستمد من الأمة والتاريخ، وبأيدي الأجيال الشابة التي عهد إليها “أتاتورك” بحماية الجمهورية، يُصنع المستقبل، ويُعاد كتابة التاريخ بمداد من النور والتضامن.



