
أشرف أبو عريف
في حضرة العاصمة الطاجيكية “دوشنبه”، حيث تلتقي قمم الجبال بأنفاس السحاب، أُسدل الستار على فصول المؤتمر الدولي الرابع رفيع المستوى، المكرّس للعقد الدولي للعمل «المياه من أجل التنمية المستدامة».
لم يكن اللقاء مجرد حشدٍ للرؤى والخطط، بل كان سمفونيةً عالميةً تداعت إليها القلوب والعقول، لتؤكد أن شريان الأرض ليس مجرد موردٍ يُستهلك، بل هو نبض الوجود وسرّ البقاء في مواجهة أعاصير المناخ وتبدلات الزمان.
وقد تجلّى هذا الأفق في الكلمات الختامية لرئيس وزراء جمهورية طاجيكستان، السيد/ قاهر رسول زاده، الذي قاد سفينة اللجنة الوطنية المنظمة للمؤتمر؛ إذ رسم في حديثه ملامح هذا الحدث بوصفه منصةً إنسانيةً كبرى، لملمت شتات الجهود العالمية لتصنع منها نهراً متدفقاً من الشراكات الدولية. إنها خطوةٌ واثقةٌ تسابق الزمن نحو تحقيق الهدف السادس للأمم المتحدة، ليرتوي كل ظامئ، ويغتسل الكون بالنقاء والأمان المائي والصرف الصحي الآمن.
ومن قلب بلاد النيل، التي علّمت الدنيا كيف يُقدَّس النهر، حمل الوفد المصري إلى هذا المحفل هيبة التاريخ وعمق التحدي الحاضر؛ حيث شاركت جمهورية مصر العربية بوفدٍ رفيع المستوى ترأسه السيد/ إيهاب عوض، الممثل الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة، وعضد رؤيتها السيد/ يحيى عبد الرحيم، مساعد وزير الموارد المائية والري، ليمتزج صوت الكنانة بحوض النيل في لحن الدفاع العالمي عن الأمن المائي الممتد عبر الأجيال.
لقد فاضت القرائح في قاعات المؤتمر، لتطوف حول تكامل الموارد المائية، كمن يفتش عن نبعٍ أزلي يؤمّن للبشرية حقها المشروع في رشفة ماءٍ نقية، ممتدةً عبر الحدود لتنسج خيوط السلام والأخوّة بين ضفاف الأنهار، وتربط الأمن المائي بقلب الأرض النابض، وتغيرات السماء، وصون النظم البيئية.
ولم تكن الجلسات والمنتديات التي غصّت بها العاصمة مجرد أروقةٍ رسمية، بل غدت واحةً فكريةً التقى فيها صانعو القرار بحكمة العلماء، ودفء منظمات المجتمع المدني، وعنفوان الشباب الممتد كالأمل، وجرأة القطاع الخاص. أتوا من أصقاع الأرض ليتبادلوا حكايات الينابيع، ويبحثوا عن حلولٍ ناجعة تعيد للتوازن البيئي هيبته، وتدرأ عن الكوكب غائلة الجفاف القاسي.
وفي لفتةٍ تنبض بوعي المستقبل، التفت المؤتمر بكثيرٍ من الإجلال والتقدير نحو الشمولية؛ فجعل من صوت المرأة رنّة أمل، ومن حضور الشباب طاقةً متجددة، ممتزجين بنور العلم وبصيرة التكنولوجيا والابتكار، وكأنهم يغرسون فسائل الوعي في تربة إدارة المياه الحديثة.
أكثر من ألفين وخمسمائة مشارك، حملوا طموحات مائةٍ وعشر دول، وتدثروا بعباءات خمسٍ وسبعين منظمة دولية وإقليمية، ومئات المؤسسات الأكاديمية وغير الحكومية.. كلهم تجمّعوا في دوشنبه ليرسموا بالماء لوحة الخلود، ويكتبوا بقطراته عهداً جديداً لحضارةٍ بشريةٍ لا تجفّ.



