رئيس التحريرسلايدر

من بكين إلى ضفاف النيل… حين تكتب الصحافةُ جسورَ الحرير بين القلوب والعقول

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

ليست كل الزيارات الإعلامية مجرد جولات بروتوكولية بين المؤسسات الصحفية، فبعضها يتحول إلى نافذة تُطل منها الشعوب على روح الآخر، وإلى مساحة يلتقي فيها التاريخ بالحاضر، والحضارة بالرؤية، والكلمة بالفعل. هكذا بدا اللقاء الذي جمع وفداً إعلامياً مصرياً يمثل عدداً من المؤسسات الصحفية والإعلامية، من بينها موقع الدبلوماسي بالعربية والإنجليزية، بقيادات صحيفة الشعب اليومية الصينية في العاصمة بكين.

في أروقة واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً في العالم، استقبل السيد/ تسوي شيشين، نائب رئيس تحرير صحيفة الشعب اليومية الصينية، الوفد المصري بحضور نخبة من قيادات المؤسسة الإعلامية الصينية، يتقدمهم السيدة/ ما شياونينغ، المدير العام لإدارة الأخبار الدولية بصحيفة الشعب اليومية، والسيد/ قوان كيجيانغ، رئيس ورئيس تحرير صحيفة جلوبال تايمز، والسيد/ لي تشي تشيانغ، نائب المدير العام لإدارة العلاقات الخارجية بصحيفة الشعب اليومية، والسيد/ شي دينغ، رئيس التحرير التنفيذي لموقع هوانتشيو التابع لمجموعة جلوبال تايمز.

وجاء اللقاء في إطار جهود تعزيز التبادل الثقافي والإعلامي بين مصر والصين، بإشراف السفارة الصينية لدى القاهرة وبتنسيق من وزارة الخارجية الصينية، ليعكس بوضوح المكانة المتنامية التي يحتلها الإعلام في مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

وخلال اللقاء، أكد السيد/ تسوي شيشين أن جريدة الشعب الصينية ليست مجرد مؤسسة إعلامية تنقل الأخبار، بل منصة للحوار والتفاهم بين الحضارات، وجسرٌ يربط الصين بالعالم. وأوضح أن الصحيفة، منذ تأسيسها عام 1948، حرصت على الجمع بين المهنية الصحفية والمسؤولية الاجتماعية، معتبراً أن تعزيز التعاون الإعلامي مع الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، يمثل أحد المسارات المهمة لتعميق التفاهم المتبادل بين الشعوب.

وأضاف أن العلاقات الصينية المصرية تمثل نموذجاً للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن الإعلام قادر على تحويل هذه الشراكة من أرقام واتفاقيات إلى معرفة متبادلة وصورة إنسانية أكثر قرباً من المواطنين في البلدين.

أكثر من صحيفة… ذاكرة دولة ونبض أمة

حين نتحدث عن صحيفة الشعب اليومية، فإننا لا نتحدث عن صحيفة عادية، بل عن مؤسسة ارتبط تاريخها بتاريخ الصين الحديثة نفسها. فمنذ تأسيسها قبل إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية بعام واحد، أصبحت الصحيفة مرآة للتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، ورافقت مسيرة الإصلاح والانفتاح، والتنمية الاقتصادية، والصعود العلمي والتكنولوجي الذي جعل الصين إحدى القوى الرئيسية في العالم.

واليوم، تواصل الصحيفة أداء هذا الدور من خلال شبكة إعلامية واسعة تضم منصات متعددة اللغات وصحفاً ومواقع إلكترونية ومراكز بحثية وإعلامية متخصصة، بما يجعلها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة الصينية.

ولعل الرقم الأكثر دلالة هو نجاح الصحيفة في توزيع ثلاثة ملايين ونصف المليون نسخة ورقية يومياً، وهو رقم يصعب تحقيقه في زمن تتراجع فيه الصحافة الورقية في كثير من دول العالم.

لماذا ما زال الملايين يقرأون الورق؟

خلال اللقاء، أعرب أشرف أبو عريف، رئيس تحرير موقع الدبلوماسي بالعربية والإنجليزية، عن عدم دهشته من هذا الانتشار الواسع، مؤكداً أن الأرقام ليست هي التي تصنع المصداقية، بل إن المصداقية هي التي تصنع الأرقام.

وأشار إلى أن السياسة المهنية والأخلاقية التي تنتهجها صحيفة الشعب الصينية تمثل أحد أهم أسرار نجاحها واستمرار تأثيرها، مضيفاً أن القارئ المعاصر لا يبحث فقط عن الخبر، بل عن فهم أعمق لما وراء الخبر، وعن رؤية تساعده على قراءة المشهد كاملاً.

وأضاف أن هذا التوجه يشكل أحد أوجه التشابه مع تجربة موقع الدبلوماسي بالعربية والإنجليزية، الذي يركز على تقديم التحليل والرؤية الاستراتيجية إلى جانب الخبر، إيماناً بأن احترام عقل القارئ ووقته هو المدخل الحقيقي لبناء الثقة والاستمرار.

الإعلام… حين يصبح دبلوماسية ناعمة

لم يعد الإعلام في القرن الحادي والعشرين مجرد ناقل للوقائع، بل أصبح شريكاً في صناعة العلاقات الدولية. ومن هنا تكتسب مثل هذه اللقاءات أهمية خاصة، لأنها تفتح أبواباً جديدة أمام تبادل الخبرات والرؤى، وتمنح الشعوب فرصة للتعرف على بعضها بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.

فكما حمل طريق الحرير القديم البضائع والأفكار بين الشرق والغرب، تحمل وسائل الإعلام اليوم المعرفة والروايات والتجارب الإنسانية عبر القارات. وفي هذا السياق، تبدو العلاقات الإعلامية بين مصر والصين امتداداً طبيعياً لعلاقة حضارية عريقة تجمع بين أقدم حضارتين مستمرتين في التاريخ الإنساني.

ما وراء اللقاء

لم يكن اللقاء مجرد تبادل للتحيات والكلمات الرسمية، بل عكس رغبة مشتركة لدى الجانبين المصري والصيني في بناء شراكة إعلامية أكثر عمقاً واتساعاً. فالتحديات العالمية المتسارعة تتطلب إعلاماً مسؤولاً، قادراً على تعزيز الحوار والتفاهم بدلاً من الانقسام والاستقطاب.

ومن هنا جاءت تأكيدات الجانبين على أهمية تبادل الخبرات المهنية، وتطوير آليات التعاون الإعلامي والثقافي، بما يسهم في تعزيز العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، ويدعم مسيرة التقارب بين الشعبين الصديقين.

وختاماً..

في عالم يزداد ضجيجه كل يوم، تبقى الكلمة الصادقة قادرة على بناء الجسور التي تعجز عنها السياسة أحياناً. وبين النيل الذي حمل حضارة عمرها آلاف السنين، والنهر الأصفر الذي شهد ميلاد واحدة من أعظم حضارات الشرق، يواصل الإعلام دوره كرسول للحوار والتفاهم.

وهكذا، لم يكن اللقاء في مقر صحيفة الشعب الصينية مجرد زيارة إعلامية، بل صفحة جديدة في كتاب الصداقة المصرية الصينية، كتبتها الأقلام قبل أن تسجلها الوثائق، وأضاءتها الرغبة المشتركة في أن تبقى المعرفة جسراً دائماً بين الحضارات.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى