الأمن المائي في العالم التركي.. حين تتحول المياه إلى جسرٍ للوحدة والتنمية المستدامة

بقلم: شَوْكَتْ خامراييف
وزير الموارد المائية بجمهورية أوزبكستان، وحاصل على لقب «الريّ المشرّف لأوزبكستان»
«ينبغي إيلاء اهتمام خاص لتطبيق الذكاء الاصطناعي في مجال إدارة الموارد المائية العابرة للحدود».شوكت ميرضيائيف، رئيس جمهورية أوزبكستان
الماء نعمة ثمينة لا تعترف بالحدود الوطنية، وظل عبر العصور رابطًا وثيقًا بين الشعوب والحضارات. غير أن التغيرات المناخية، والنمو السكاني والاقتصادي، وموجات الجفاف الممتدة، وانحسار الأنهار الجليدية، وتلوث مصادر المياه، وتزايد الطلب عليها، تفرض جميعها على الدول إعادة النظر بصورة جذرية في أساليب إدارة هذا المورد الحيوي.
ولم تكن الدول التركية بمنأى عن هذه التحديات. فعلى امتداد رقعة جغرافية شاسعة، من الأنهار التي تغذيها الثلوج والأنهار الجليدية في آسيا الوسطى، إلى المجاري المائية الجبلية والمناطق الجافة في القوقاز والأناضول، تظل المياه أحد العوامل الرئيسية التي تحدد مسارات التنمية الاقتصادية ومستويات رفاه الشعوب.
وعلى الرغم من اختلاف الظروف الطبيعية والجغرافية بين هذه الدول، فإن مصالحها المائية تتقاطع في مساحات واسعة. ففي بعض المناطق، تتصدر الإدارة الرشيدة للموارد المائية العابرة للحدود قائمة الأولويات، بينما ينصب الاهتمام في مناطق أخرى على التكيف مع الجفاف، وتحديث شبكات الري، والحد من فاقد المياه، وتعظيم العائد الاقتصادي من كل متر مكعب.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز الأمن المائي باعتباره أحد أكثر مجالات التعاون الواعدة والأهمية الاستراتيجية داخل منظمة الدول التركية.
الأمن المائي.. ضرورة مشتركة للتنمية
لا يمكن اختزال الأمن المائي في مجرد توافر كميات كافية من المياه؛ فهو، بمفهومه الحديث، يعني ضمان الحصول بصورة موثوقة على كميات مناسبة من المياه الآمنة والجيدة، لتلبية احتياجات الإنسان والاقتصاد والنظم البيئية، والاستعداد للمخاطر الناجمة عن الجفاف والفيضانات، والحفاظ على بنية تحتية مائية قادرة على الصمود، والاستخدام الكفء للموارد المتاحة.
وتؤثر التحولات المناخية في التوازن المائي بطرق متفاوتة في دول المنطقة، من كازاخستان وأوزبكستان إلى قيرغيزستان وأذربيجان وتركيا. ومن ثم، لم يعد الأمن المائي أولوية وطنية لكل دولة فحسب، بل أصبح قضية استراتيجية مشتركة للعالم التركي بأسره.
وتحتل الاستدامة البيئية ومواجهة التغير المناخي مكانة بارزة في الوثائق الاستراتيجية لمنظمة الدول التركية. فقد حددت كل من وثيقة «رؤية العالم التركي 2040» واستراتيجية المنظمة للفترة 2022–2026 حماية البيئة، والعمل المناخي، والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، مجالات رئيسية للتعاون.
وفي القمة الحادية عشرة لمنظمة الدول التركية، التي عُقدت في بيشكيك في السادس من نوفمبر 2024، اعتُمدت الوثيقة الاستراتيجية «الرؤية الخضراء للعالم التركي: الوحدة من أجل مستقبل مستدام». وحددت الوثيقة أولويات تشمل التوسع في استخدام التقنيات الموفرة للموارد والمياه، والإدارة المستدامة للموارد المائية، وحماية الأنهار الجليدية والتنوع البيولوجي، ومكافحة تدهور الأراضي والتصحر.
وخلال السنوات الأخيرة، تجاوز جدول أعمال التعاون بين الدول التركية نطاق التجارة والنقل والروابط الثقافية، ليمتد إلى القضايا التي تمس جوهر التنمية المستدامة، وفي مقدمتها المياه والمناخ والبيئة.
من الحوار المائي إلى التعاون العملي
شهد قطاع المياه بالفعل خطوات عملية في إطار منظمة الدول التركية. ففي مايو 2024، نظمت المنظمة، بالتعاون مع وزارة الزراعة والغابات في جمهورية تركيا، ندوة متخصصة بعنوان «الاستخدام الفعال للمياه»، تبادل خلالها خبراء من الدول الأعضاء والدول المراقبة الخبرات بشأن إدارة الري في ظل التغير المناخي، والاستخدام الكفء للمياه خلال فترات الجفاف، والتقنيات الزراعية الحديثة.
ومن المؤسسات المهمة أيضًا معهد الوقاية من الجفاف التابع لمنظمة الدول التركية، ومقره بودابست، والذي يسهم في تعزيز التعاون بمجالات إدارة المياه والري والوقاية من الجفاف وحماية البيئة.
وفي الثامن عشر من يونيو 2026، عقدت وزارتنا اجتماعًا مع بالاش هندريش، المدير التنفيذي للمكتب التمثيلي لمنظمة الدول التركية في المجر ورئيس مجلس إدارة معهد الوقاية من الجفاف التابع للمنظمة.
وتناولت المناقشات تقييم مخاطر الجفاف، وأنظمة الإنذار المبكر، وتقييم المخاطر المناخية وإدارتها، إلى جانب التوسع في تطبيق تقنيات ترشيد استهلاك المياه واعتماد الأساليب الحديثة لإدارة الموارد المائية.
كما اتفق الجانبان على إقامة تعاون بين معهد الوقاية من الجفاف ومعهد البحوث المعني بالري ومشكلات المياه التابع لوزارتنا.
وشكّل المنتدى الإقليمي للمياه التابع لمنظمة الدول التركية، الذي عُقد في بروكسل في الخامس من مارس 2025، محطة مهمة لدفع التعاون في هذا المجال. وناقش المنتدى الإدارة المستدامة للموارد المائية، والتقنيات الحديثة، والاستثمار في النمو الأخضر، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف.
وتؤكد هذه التطورات مجتمعة أن المياه داخل المنظمة تنتقل تدريجيًا من كونها موضوعًا عامًا للحوار إلى مجال للتعاون العلمي والمؤسسي والتطبيقي. ويتمثل التحدي المقبل في تعزيز هذا التقدم من خلال آليات منهجية وفعالة تضمن استمراريته وتحويله إلى نتائج ملموسة.
الرقمنة.. لغة جديدة للتعاون المائي
أصبحت الإدارة الحديثة للمياه مستحيلة من دون الاستفادة من التقنيات الرقمية المتقدمة. فمراقبة الغطاء الثلجي والأنهار الجليدية بالأقمار الصناعية، وتقييم رطوبة التربة وظروف الجفاف، والرصد عن بُعد لمخزون الخزانات، والقياس الآلي لتدفقات القنوات، والتنبؤ بالعمليات الهيدرولوجية باستخدام الذكاء الاصطناعي، لم تعد أفكارًا تجريبية، بل تحولت إلى أدوات أساسية في إدارة المياه المعاصرة.
وخلال القمة غير الرسمية لمنظمة الدول التركية، التي عُقدت في مدينة تركستان في الخامس عشر من مايو 2026، طرح رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف عددًا من المبادرات المهمة لتعميق التعاون وفتح آفاق جديدة للتنمية الرقمية في العالم التركي.
وشدد الرئيس الأوزبكي، على وجه الخصوص، على أهمية الكشف المبكر عن الجفاف، والمراقبة المنتظمة لتعرية التربة وذوبان الأنهار الجليدية، والتطبيق الواسع للذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
وتفتح هذه المبادرة آفاقًا جديدة للتعاون المائي؛ إذ إن اعتماد الدول منصات تكنولوجية متوافقة، ومعايير موحدة للقياس، وبيانات موثوقة، من شأنه تعزيز الشفافية وبناء الثقة المتبادلة في العلاقات المائية.
ومن هذا المنطلق، لا تمثل الرقمنة أداة فعالة لإدارة المياه فحسب، بل يمكن أن تصبح أيضًا أداة محورية للدبلوماسية المائية، بما تعززه من شفافية وتفاهم وقدرة على اتخاذ قرارات تستند إلى البيانات.
معادلة المياه والطاقة والغذاء
لم يعد من الممكن إدارة المياه باعتبارها قطاعًا مستقلًا عن بقية القطاعات؛ فالقرارات المتعلقة بإدارة الموارد المائية تؤثر مباشرة في الزراعة والطاقة، كما تؤثر القرارات المتخذة في هذين القطاعين، بدورها، في الأنظمة المائية والأمن الغذائي.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في آسيا الوسطى، حيث يمكن أن يخدم التنسيق الوثيق بين التخطيط المائي والتخطيط للطاقة، وتحقيق التوازن الأمثل بين الطلب على الطاقة خلال فصل الشتاء واحتياجات الري خلال فصل الصيف، المصالح المشتركة لدول المنطقة.
ولذلك، فإن السؤال الأساسي لم يعد مقتصرًا على: «كيف نوزع المياه؟»، بل ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر شمولًا: «كيف نعظم المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن تحقيقها من المياه المتاحة لدينا؟»
ويقدم التطوير المتوازن لشبكات الري الكفء، والطاقة المتجددة، وتقنيات توفير المياه، مسارًا عمليًا نحو تحقيق هذا الهدف.
ومن شأن تبني هذا النهج أن يحول المياه إلى مورد استراتيجي يولد منافع مشتركة، بدلًا من أن تصبح مصدرًا للتنافس بين الدول.
لا نستطيع زيادة موارد المياه بسهولة.. لكننا نستطيع رفع كفاءة استخدامها
في ظل ندرة المياه، تتمثل إحدى أهم الأولويات في تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة. ويتطلب ذلك تحديث البنية التحتية القديمة للري، والحد من فاقد المياه أثناء نقلها عبر القنوات، ورقمنة عمليات قياس الاستهلاك، والتوسع في الري بالتنقيط والرش، وتطبيق الاحتياجات المائية للمحاصيل وفق أسس علمية دقيقة.
وفي أوزبكستان، جرى تبطين 1870 كيلومترًا من القنوات بالخرسانة خلال الفترة من 2020 إلى 2025 باستخدام موارد الموازنة العامة للدولة. وفي عام 2026، تتواصل أعمال تبطين 1300 كيلومتر إضافي من القنوات الرئيسية.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تقليل فاقد المياه الناجم عن التسرب، وتحسين الحالة الفنية لشبكات الري، وضمان إمدادات مائية أكثر موثوقية للمستفيدين.
وقد بلغت المساحة التي تغطيها تقنيات توفير المياه في أوزبكستان 3.2 مليون هكتار، بما يعادل نحو 75% من الأراضي المروية.
وبالتوازي مع ترشيد استهلاك المياه، تحظى تحسينات الأراضي المروية وشبكات الصرف بأهمية خاصة. ففي الفترة من 2017 إلى 2026، أُنشئ أو أُعيد تأهيل 7160 كيلومترًا من شبكات المصارف، فيما نُفذت أعمال الصيانة وإعادة التأهيل على امتداد 127833 كيلومترًا من هذه الشبكات.
كما طُورت عشرة أنظمة معلوماتية للقطاع، وجرى دمجها من خلال «منصة الإدارة المائية الموحدة». ولتحسين قياس المياه ومراقبتها، تم تركيب 13305 أجهزة ضمن منظومة «المياه الذكية»، وأُتمتة 108 منشآت رئيسية لإدارة المياه.
ويجري كذلك إدخال أنظمة إلكترونية لمراقبة مستويات المياه ومخزون الخزانات في السدود الرئيسية.
وتشهد دول تركية أخرى إصلاحات مماثلة، وإن اختلفت أشكالها وفقًا للظروف المحلية. ويمكن للتبادل المنهجي لأفضل الممارسات داخل المنظمة، في مجالات الري والهيدرولوجيا وقياس المياه والبنية التحتية الحديثة وتقنيات الترشيد، أن يحقق قيمة عملية كبيرة.
ومن أكثر السبل فاعلية في هذا المجال تحديد الحلول التي أثبتت نجاحها، ثم تكييفها مع الظروف المحلية لكل دولة، بدلًا من الاكتفاء بنقل التجارب دون مراعاة الفوارق الجغرافية والمناخية والاقتصادية.
العلم ورأس المال البشري.. استثمار في المستقبل
لا يمكن مواجهة التحديات المائية بالخرسانة والمضخات وخطوط الأنابيب وحدها؛ فأنظمة الري الحديثة تحتاج إلى متخصصين يمتلكون المعرفة المتجددة، والمهارات التقنية، والقدرة على الابتكار.
ومن هنا، تكتسب تنمية التعاون العلمي والتعليمي في قطاع المياه داخل منظمة الدول التركية أهمية استثنائية.
وخلال قمة تركستان لعام 2026، أُعلن تخصيص خمسين منحة دراسية لشباب من الدول التركية للعام الدراسي 2026–2027، للدراسة في الجامعة المركزية الآسيوية لدراسات البيئة وتغير المناخ في طشقند. وتمثل هذه الخطوة إجراءً عمليًا لبناء بيئة علمية وتعليمية مشتركة في مجالات البيئة والمناخ.
وفي المرحلة المقبلة، ينبغي العمل على إنشاء برامج مشتركة للماجستير والدكتوراه في إدارة المياه، وتوسيع برامج التبادل بين الباحثين الشباب، وإطلاق مشروعات بحثية مشتركة.
كما يمكن إنشاء «مدرسة المياه للدول التركية» لتكون منصة مشتركة للحوار وتبادل المعرفة بين علماء الهيدرولوجيا، ومهندسي الموارد المائية، والمتخصصين في الدبلوماسية المائية، وخبراء التحول الرقمي.
إن الاستثمار في رأس المال البشري من هذا النوع يحقق عوائد مستدامة طويلة الأجل، ويمنح قطاع المياه القدرة على مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية والاستجابة للتحديات المستقبلية بكفاءة أكبر.
المياه.. جسر للوحدة لا ساحة للانقسام
لا يقتصر الأمن المائي على مسؤولية المؤسسات الحكومية؛ فالطريقة التي يستخدم بها ملايين البشر المياه في حياتهم اليومية تؤثر بصورة مباشرة في النتائج الإجمالية لسياسات إدارة هذا المورد الحيوي.
وتتجذر ثقافة احترام المياه في التقاليد التاريخية للشعوب التركية. فقد نشأت مدن عريقة حول مصادر المياه، وحافظت المجتمعات على القنوات وشبكات الري من خلال العمل الجماعي، وظلت الإدارة الحكيمة للمياه جزءًا من الحياة اليومية على امتداد قرون.
واليوم، ينبغي إحياء هذا الإرث بمعانٍ معاصرة، من خلال تعزيز الثقافة المائية لدى الأجيال الشابة، وتوسيع الوعي العام بالقيمة الاقتصادية والبيئية للمياه، وتوعية المزارعين بأهمية الاستخدام الرشيد لهذا المورد.
وفي هذا السياق، يمكن للمبادرات الإعلامية والتثقيفية المشتركة داخل منظمة الدول التركية، التي تستند إلى مبدأ «الحفاظ على المياه قيمة مشتركة»، أن تقرب بين شعوبنا وتعزز ثقافة المسؤولية في التعامل مع الموارد الطبيعية.
وتجمع الشعوب التركية روابط التاريخ المشترك، والتقارب اللغوي، والجذور الثقافية المتقاربة. وتكتسب فكرة الوحدة والانسجام، التي عبّر عنها المفكر الكبير أحمد يسوي في ديوانه «ديوان الحكمة»، دلالة أعمق في عالم اليوم:
«أظهرتُ الحبَّ للشعب التركي،
وعرفتُ أن طريق الوحدة هو الطريق الحق».
إن توحيد الإمكانات الفكرية والقدرات العلمية والطاقات الإبداعية لدولنا من شأنه أن يضع أساسًا متينًا لتحويل العالم التركي إلى فضاء للحلول المتقدمة والتنمية المستدامة والازدهار.
وفي هذا المسار، يستطيع الأمن المائي أن يصبح إحدى القوى التي تجمع شعوبنا، وتدعم تعاونها، وتفتح أمامها آفاقًا أوسع للمستقبل المشترك.
التعاون والعلم والتكنولوجيا.. معادلة الأمن المائي في القرن الحادي والعشرين
إن معادلة الأمن المائي في القرن الحادي والعشرين تقوم على التعاون والعلم والتكنولوجيا والقياس الدقيق وترشيد الاستهلاك. ولا تفتقر منظمة الدول التركية إلى الفرص التي تمكنها من تحويل هذه المبادئ إلى برامج عملية ومشروعات ملموسة.
فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي تتنافس الدول على اقتسامه؛ إنها أساس للحياة، وركيزة للتنمية، وجسر للتكامل الإقليمي، ومسؤولية مشتركة تجاه الأجيال القادمة.
وكلما ارتفع مستوى التعاون بين دولنا في إدارة المياه، وتعزيز الابتكار، وتبادل الخبرات، وحماية النظم البيئية، ازدادت قدرتنا على مواجهة التحديات المناخية وتحقيق التنمية المستدامة.
إن مستقبل الأمن المائي في العالم التركي لن تصنعه وفرة الموارد وحدها، بل ستصنعه أيضًا حكمة الإدارة، ودقة التخطيط، وقوة العلم، وصدق التعاون.
فالماء الذي يجري بين الحدود قادر على أن يصنع جسورًا من الثقة والوحدة؛ شرط أن نُحسن إدارته اليوم، حتى يبقى مصدرًا للحياة والازدهار غدًا.



