لِسَانُ السَّمَاءِ… حِينَ اخْتَارَ اللَّهُ العَرَبِيَّةَ، وَخَذَلَهَا أَهْلُ الأَرْضِ

شعر: أشرف أبو عريف
العَرَبِيَّةُ…
يَا نَفَسَ الضَّادِ إِذَا تَكَلَّمَ الكَوْنُ فَأَنْصَتَا،
وَيَا نَبْعَ المَعَانِي إِذَا عَطِشَ العَقْلُ فَارْتَوَى.
اخْتَارَكِ اللَّهُ،
لَا لِكَثْرَةِ الأَصْوَاتِ فِيكِ،
بَلْ لِثِقَلِ الحُرُوفِ إِذَا حَمَلَتِ الوَحْيَ،
وَلِسِعَةِ الرُّوحِ حِينَ تَسْكُنُهَا المَعَانِي.
نَزَلَ القُرْآنُ عَرَبِيًّا،
لَا ازْدِرَاءً لِسَائِرِ اللُّغَاتِ،
وَلَا نَقْصًا فِي بَلَاغَتِهَا،
وَلَكِنْ لِأَنَّ العَرَبِيَّةَ
كَانَتْ أَقْدَرَ عَلَى حَمْلِ النُّورِ،
وَأَصْدَقَ فِي أَدَاءِ الرِّسَالَةِ،
وَأَدَقَّ مِيزَانًا
بَيْنَ اللَّفْظِ وَالمَعْنَى،
وَبَيْنَ الحَرْفِ وَالهِدَايَةِ.
بِكِ خَاطَبَ اللَّهُ القُلُوبَ فَخَشَعَتْ،
وَبِكِ نَادَى العُقُولَ فَاسْتَيْقَظَتْ،
وَبِكِ كُتِبَتِ الآيَاتُ
فَصَارَتْ نُورًا
لَا يَشِيخُ،
وَلَا يَغِيبُ،
وَلَا يَذْبُلُ فِي زَمَنٍ.
العَرَبِيَّةُ…
لِسَانُ القُرْآنِ،
وَمِحْرَابُ البَيَانِ،
وَسِرُّ الإِعْجَازِ
حِينَ تَعْجِزُ البَلَاغَةُ
وَتَنْحَنِي المَعَانِي.
فَمَا بَالُ أَهْلِكِ اليَوْمَ؟
لِمَاذَا تَنَكَّرُوا لَكِ،
وَكَأَنَّكِ عِبْءٌ لَا فَخْرَ؟
لِمَاذَا هَرَبُوا إِلَى لُغَاتٍ أُخْرَى
يَسْتَعِيرُونَ بِهَا الهَيْبَةَ،
وَيَظُنُّونَ أَنَّ التَّقَدُّمَ
يُقَاسُ بِلَهَجَاتٍ مُسْتَوْرَدَةٍ؟
يَتَبَاهَى العَرَبِيُّ بِلُغَتِهِ الأَجْنَبِيَّةِ،
وَيَتَعَثَّرُ فِي لُغَتِهِ الأُمِّ،
يَحْفَظُ مُصْطَلَحَاتِ الغَرْبِ،
وَيَنْسَى أَسْمَاءَ المَعَانِي،
يَنْطِقُ بِلِسَانٍ لَيْسَ لَهُ،
وَيَصْمُتُ
إِذَا سُئِلَ عَنْ هُوِيَّتِهِ.
صِرْنَا نَكْتُبُ أَسْمَاءَ مَتَاجِرِنَا
بِحُرُوفٍ غَرِيبَةٍ،
وَنُعَلِّمُ أَبْنَاءَنَا
لُغَةَ الآخَرِ
قَبْلَ أَنْ نُعَلِّمَهُمْ
كَيْفَ يَقُولُونَ:
«أَنَا عَرَبِيٌّ».
كَأَنَّ العَرَبِيَّةَ
أَصْبَحَتْ لُغَةَ المَاضِي فَقَطْ،
لَا لُغَةَ العِلْمِ،
وَلَا لُغَةَ الحَاضِرِ،
وَلَا جِسْرَ المُسْتَقْبَلِ.
وَيَا لِلْمُفَارَقَةِ…
الأُمَمُ تَقَدَّمَتْ
حِينَ تَمَسَّكَتْ بِجُذُورِهَا،
وَنَحْنُ تَرَاجَعْنَا
حِينَ قَطَعْنَا الجَذْرَ
وَرَكِضْنَا وَرَاءَ الظِّلِّ.
فَمَا الحَلُّ؟
الحَلُّ…
أَنْ نُعِيدَ لِلْعَرَبِيَّةِ هَيْبَتَهَا،
لَا بِشِعَارَاتٍ جَوْفَاءَ،
بَلْ بِالعِلْمِ وَالإِنْتَاجِ.
أَنْ نَكْتُبَ بِهَا العِلْمَ الحَدِيثَ،
وَنُفَكِّرَ بِهَا،
وَنُبْدِعَ مِنْ خِلَالِهَا،
لَا أَنْ نَحْبِسَهَا
فِي الخُطَبِ وَالمُنَاسَبَاتِ.
أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا
أَنَّ إِتْقَانَ اللُّغَاتِ الأُخْرَى قُوَّةٌ،
وَلَكِنَّ فُقْدَانَ لُغَتِنَا
هَزِيمَةٌ.
أَنْ نَقْرَأَ القُرْآنَ
لَا تِلَاوَةً فَقَطْ،
بَلْ فَهْمًا وَوَعْيًا،
وَأَنْ نُدْرِكَ
لِمَاذَا اخْتَارَ اللَّهُ
هَذِهِ اللُّغَةَ دُونَ سِوَاهَا.
العَرَبِيَّةُ…
لَيْسَتْ عَدُوَّةَ الحَدَاثَةِ،
بَلْ بُوصَلَتَهَا،
وَلَيْسَتْ عَائِقًا لِلتَّقَدُّمِ،
بَلْ شَرْطَهُ الأَوَّلَ.
العَرَبِيَّةُ لَنْ تَمُوتَ،
وَلَكِنَّهَا تَنْتَظِرُ
مَنْ يُنْقِذُهَا مِنَ الإِهْمَالِ،
وَمَنْ يُعِيدُهَا
مِنَ الهَامِشِ إِلَى الصَّدَارَةِ،
وَمِنَ الذَّاكِرَةِ
إِلَى الحَيَاةِ.
فَإِنْ حَفِظْنَاهَا
حَفِظَتْنَا،
وَإِنْ خَذَلْنَاهَا
ضَاعَ مِنَّا
أَوَّلُ الطَّرِيقِ.
سَلَامٌ عَلَى العَرَبِيَّةِ
يَوْمَ نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ،
وَيَوْمَ خَذَلَهَا أَبْنَاؤُهَا،
وَيَوْمَ تَعُودُ
لُغَةَ عِلْمٍ،
وَهُوِيَّةٍ،
وَحَضَارَةٍ.



