تَرَاتِيلُ الفِدَاءِ!

شعر: أشرف أبو عريف
شَيْخٌ ثَمَانُونَ قَدْ تَمَّتْ بَشَائِرُهُ
بِوَاحِدٍ، بَعْدَ طُولِ الصَّبْرِ، كَالْقَمَرِ
إِسْمَاعِيلُ البِكْرُ، نُورُ العَيْنِ، سَلْوَتُهُ
قَبْلَ المَسَرَّةِ بِإِسْحَاقَ فِي العُمُرِ
رَأَى فِي المَنَامِ فِدَاءً هَزَّ مَهْجَتَهُ
ذَبْحَ الحَبِيبِ.. وَأَمْرُ اللهِ كَالْقَدَرِ!
قَالَ: “يَا بُنَيَّ”.. فَجَاءَ الرَّدُّ مَكْرُمَةً:
“افْعَلْ، فَدَيْتُكَ، مَا تُؤْمَرُ، بِلَا حَذَرِ”
يَا لَلْوَقَارِ! وَمَا أَقْسَى الفِرَاقَ إِذَا
خَافَ الغُلَامُ عَلَى أُمٍّ مِنَ الكَدَرِ
“هَاجَرُ” المِصْرِيَّةُ الخَنْسَاءُ صَبَّرَهَا
إِيمَانُهَا الحُرُّ فِي الرَّمْضَاءِ وَالخَطَرِ
***
إِبْرَاهِيمُ يَمْشِي وَالدُّمُوعُ بِقَلْبِهِ
وَالصَّبْرُ يَكْتُبُ خُطْوَهُ بِالتَّقْدِيرِ
ثَمَانُونَ عَامًا وَالشُّعُورُ مُعَلَّقٌ
بِدُعَاءِ شَوْقٍ صَادِقِ التَّأْثِيرِ
حَتَّى إِذَا أَهْدَاهُ رَبُّ العَالَمِينَ فَتًى
غَدَا كَنَبْضِ الرُّوحِ فِي التَّفْكِيرِ
جَاءَ الابْتِلَاءُ، وَكُلُّ شَيْءٍ صَامِتٌ
إِلَّا اليَقِينُ بِحِكْمَةِ المَوْلَى الكَبِيرِ
***
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، وَالإِيمَانُ مُبْتَسِمٌ:
“يَا أَبَتِ امْضِ، فَالطَّرِيقُ إِلَى النُّورِ”
لَا تَخْشَ ذَبْحِي، فَالفِدَاءُ عَقِيدَتِي
وَالرُّوحُ تَرْضَى طَاعَةَ المَأْمُورِ
لَكِنْ رِفْقًا بِالأُمِّ، إِنَّ قُلُوبَهَا
تَحْيَا عَلَى الأَوْجَاعِ وَالتَّفْكِيرِ
فَإِذَا رَجَعْتَ، فَامْسَحِ الحُزْنَ الَّذِي
قَدْ يَسْكُنُ الأَحْشَاءَ كَالزَّمْهَرِيرِ
***
هَاجَرُ.. يَا نَبْعَ اليَقِينِ وَصَبْرِهِ
يَا أُمَّ مَنْ عَلَّمْتِ دَرْسَ العِزَّةِ
تَرَكُوكِ فِي وَادٍ جَرِيدٍ قَاحِلٍ
فَغَرَسْتِ فِيهِ حَدِيقَةَ الطَّاعَةِ
لَا المَاءُ كَانَ، وَلَا الظِّلَالُ تَحُفُّكِ
لَكِنَّ نُورَ اللهِ مِلْءَ البَصِيرَةِ
***
وَيْلٌ لِجِيلٍ مِنَ الأَبْنَاءِ، وَاأَسَفِي،
بَاعُوا النَّقَاوَةَ بِالعِصْيَانِ وَالبَطَرِ!
أَبٌ يَشِيبُ، وَأُمٌّ جَفَّ مَدْمَعُهَا،
وَالابْنُ يَلْهُو بِلَا رِعْيٍ وَلَا نَظَرِ
أَيْنَ الحِوَارُ؟ وَأَيْنَ الخَوْفُ؟ وَاحَزَنِي،
مَا عَادَ فِي الرَّوْضِ غَيْرُ الشَّوْكِ وَالحَجَرِ
***
أَيْنَ الَّذِينَ إِذَا تَكَلَّمَ وَالِدٌ
أَصْغَوْا بِقَلْبٍ خَاشِعٍ وَوَقَارِ؟
أَيْنَ البَنُونَ وَقَدْ تَبَدَّلَ حَالُهُمْ
فَغَدَا العُقُوقُ سِمَةَ الأَعْصَارِ؟
يَا لَيْتَنَا نَحْيَا قَلِيلًا مِنْ هُدَى
إِسْمَاعِيلَ فِي البِرِّ وَالإِيثَارِ
فَبِهِ تُشَيَّدُ لِلأُسَرِ مَحَبَّةٌ
وَبِهِ يَعُودُ النُّورُ لِلأَدْيَارِ



