ثقافةسلايدر

في حضرة ذاكرة الحضارة… الصين تفتح أبواب «بنك الجينات الثقافي» للعالم

Listen to this article

بكين – أشرف أبو عريف

في الأول من يونيو/حزيران، وبينما كانت الصين تستحضر واحدة من أهم مبادراتها الثقافية في العصر الحديث، استقبلت السيدة تشانغ جيه (Zhang Jie)، مديرة الأرشيف الوطني الصيني للمطبوعات والثقافة (China National Archives of Publications and Culture)، وفداً مصرياً ضم إعلاميين ومسؤولين في جولة موسعة داخل هذا الصرح الثقافي العملاق، الذي بات يُنظر إليه باعتباره أحد أهم المشروعات الحضارية والثقافية في الصين المعاصرة.

وجاءت الزيارة متزامنة مع مرور ثلاث سنوات على افتتاح المشروع رسمياً في عام 2022، ليواصل الأرشيف أداء رسالته بوصفه الحارس الأكبر للذاكرة الثقافية الصينية، والمستودع الوطني الذي يحفظ تراث أمة تمتد جذورها إلى آلاف السنين.

مشروع بحجم أمة

خلال الجولة، استعرضت السيدة تشانغ جيه فلسفة إنشاء الأرشيف الوطني للمطبوعات والثقافة، موضحة أن المشروع لم يُنشأ ليكون مجرد متحف أو مكتبة ضخمة، بل ليصبح “خزانة الذاكرة الوطنية الصينية” و**”بنك الجينات الثقافي للحضارة الصينية”**.

ويُعد المشروع أحد أبرز المبادرات الثقافية التي أُطلقت بدعم مباشر من الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي أولى منذ توليه القيادة اهتماماً استثنائياً بحماية التراث الثقافي الصيني وتعزيز الثقة بالهوية الحضارية للأمة.

وأكدت مديرة الأرشيف أن المشروع يجسد رؤية القيادة الصينية القائمة على أن الثقافة ليست مجرد سجل للماضي، بل أساس لبناء المستقبل، وأن الحفاظ على التراث الفكري والمعرفي يمثل جزءاً لا يتجزأ من مشروع النهضة الصينية الحديثة.

حيث تتعانق الطبيعة مع المعرفة

يقع المقر الرئيسي للأرشيف عند سفوح جبال يانشان شمال العاصمة بكين، في موقع يجمع بين الهيبة المعمارية والجمال الطبيعي الخلاب.

ولا تقتصر روعة المكان على مبانيه الضخمة وقاعاته المتعددة، بل تمتد إلى محيطه الطبيعي الساحر، إذ يقع الصرح الثقافي العملاق وسط غابة واسعة متعددة الألوان من الأشجار والورود والنباتات الموسمية. وتتدرج الألوان بين الأخضر الزمردي والأحمر القاني والأصفر الذهبي والبنفسجي الزاهي، لتشكل لوحة طبيعية مبهرة تعكس التناغم العميق بين الإنسان والطبيعة في الفلسفة الصينية.

oplus_2

وتحيط بالمبنى حدائق وممرات خضراء تجعل الزائر يشعر وكأنه يسير بين صفحات كتاب مفتوح للتاريخ، حيث تمتزج رائحة الورق العتيق بعبير الزهور، ويتحول استكشاف المعرفة إلى رحلة بصرية وروحية متكاملة.

منظومة وطنية لحفظ الحضارة

لا يقتصر الأرشيف على المقر الرئيسي في بكين، بل يمثل منظومة وطنية متكاملة تضم:

  • المقر الرئيسي في بكين.
  • فرع شيآن بمقاطعة شنشي.
  • فرع هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ.
  • فرع قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ.

وقد صُممت هذه المنظومة لتغطية الامتداد الجغرافي والثقافي للصين، بحيث يختص كل فرع بحفظ ودراسة جزء من التراث الحضاري المرتبط بمنطقته، في حين يتولى المقر الرئيسي مهمة التنسيق والحفظ الوطني الشامل.

ملايين الوثائق وآلاف الكنوز

وخلال الجولة، اطّلع الوفد المصري على جانب من الكنوز الثقافية والمعرفية التي يحتضنها الأرشيف.

فالمؤسسة تضم ملايين الوثائق والمخطوطات والكتب والمطبوعات التاريخية التي توثق تطور الحضارة الصينية عبر آلاف السنين، إضافة إلى قواعد بيانات رقمية متطورة تحفظ التراث الثقافي للأجيال القادمة.

وتشمل المقتنيات:

  • المخطوطات النادرة.
  • الكتب الكلاسيكية الصينية.
  • الوثائق الإمبراطورية.
  • الخرائط التاريخية.
  • الأعمال الخطية والفنية.
  • النقوش الحجرية.
  • الطوابع والعملات القديمة.
  • المطبوعات الحديثة التي توثق مسيرة الصين المعاصرة.

ويمثل هذا التنوع صورة شاملة لمسيرة الفكر والثقافة والمعرفة الصينية عبر العصور المختلفة.

oplus_34

رحلة عبر خمسة آلاف عام

في قاعات العرض الكبرى، بدا التاريخ الصيني وكأنه ينبض بالحياة.

فمن النقوش الأولى على العظام والأحجار، مروراً بالمخطوطات الإمبراطورية النادرة والموسوعات الكلاسيكية الكبرى، وصولاً إلى وثائق الصين الحديثة، يجد الزائر نفسه أمام سردية حضارية متصلة لم تنقطع حلقاتها عبر آلاف السنين.

وتعرض المؤسسة نسخاً نادرة من أهم الأعمال الكلاسيكية الصينية، التي شكلت ركائز الفكر والثقافة والمعرفة في الشرق الآسيوي، وأسهمت في صياغة الهوية الحضارية للصين.

اهتمام مباشر من الرئيس شي جين بينغ

حظي المشروع منذ انطلاقه باهتمام مباشر من الرئيس شي جين بينغ، الذي يؤكد باستمرار أن الحفاظ على التراث الثقافي يمثل ركناً أساسياً في بناء الحضارة الصينية الحديثة.

وخلال زيارته للأرشيف، شدد الرئيس الصيني على ضرورة حماية الذاكرة الثقافية للأمة، وصون الكنوز الفكرية والمعرفية التي تشكل روح الحضارة الصينية، مؤكداً أن أي نهضة حقيقية لا يمكن أن تنفصل عن جذورها التاريخية والثقافية.

ومن هذا المنطلق، أصبح الأرشيف الوطني للمطبوعات والثقافة رمزاً لالتقاء الماضي بالمستقبل، ومشروعاً يعكس إيمان الصين بأن قوة الأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من اقتصاد أو تكنولوجيا، بل أيضاً بما تحفظه من ذاكرة وهوية وقيم حضارية.

نافذة للحوار بين الحضارات

لا يهدف الأرشيف إلى حفظ التراث الصيني فحسب، بل يسعى أيضاً إلى بناء جسور معرفية مع العالم.

فالمؤسسة تنظم فعاليات ثقافية ومعارض دولية وبرامج تعاون أكاديمي وبحثي، بما يسهم في تعزيز الحوار بين الحضارات المختلفة، وتقديم صورة أعمق عن الثقافة الصينية وتاريخها للعالم.

oplus_2

وخلال الزيارة، أبدى أعضاء الوفد المصري إعجابهم بما شاهدوه من تقنيات حديثة وأساليب متطورة في حفظ الوثائق والمخطوطات، مؤكدين أن التجربة الصينية تمثل نموذجاً فريداً في الجمع بين الأصالة والتحديث.

حين تتحول الثقافة إلى قوة للمستقبل

بين رفوف الكتب القديمة وشاشات الأرشفة الرقمية الحديثة، أدرك الزائر أن الصين لا تبني ناطحات السحاب والمناطق الصناعية فقط، بل تبني أيضاً حصناً يحفظ ذاكرتها الحضارية للأجيال القادمة.

oplus_34

فالأرشيف الوطني الصيني للمطبوعات والثقافة ليس مجرد متحف أو مكتبة وطنية، بل مشروع حضاري ضخم يروي قصة أمة كاملة، ويحفظ ذاكرتها، ويقدمها للعالم بلغة المعرفة والانفتاح والحوار.

وهكذا بدا هذا الصرح العملاق، المحاط ببحر من الأشجار والورود متعددة الألوان، وكأنه قلب نابض لذاكرة الصين؛ قلب يحتفظ بخمسة آلاف عام من التاريخ، بينما يواصل كتابة فصول جديدة من قصة حضارة عريقة لا تزال تتجدد دون أن تنسى جذورها.

oplus_34

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى