وَفَاءُ النِّيلِ… وَجَفَاءُ البَشَرِ!

شعر: أشرف أبو عريف
يَا نِيلُ، يَا سِرَّ الحَيَاةِ بِمِصْرِنَا
يَا نَبْضَ أَرْضٍ، يَا نَشِيدَ سَمَائِنَا
جَرَتِ السِّنُونُ، وَأَنْتَ تَمْنَحُ مَاءَهَا
وَتَصُونُ عَهْدَكَ… مَا خُنْتَ وَفَاءَنَا
كُنَّا نُسَمِّيكَ «وَفِيَّ النِّيلِ» إِذْ
يَأْتِي بِفَيْضِكَ مُزْهِرًا دُنْيَانَا
فَسَأَلْتُ نَفْسِي، وَالضِّفَافُ شَوَاهِدٌ:
هَلْ كُنَّا، يَا نِيلُ، وَفِيِّينَ لَنَا؟
أَمْ أَنَّنَا أَلْقَيْنَا عَلَى أَمْوَاجِكَ
مَا يُؤْذِي المِيَاهَ، وَيَخْنُقُ مَجْرَانَا؟
أَلْقَيْنَا المُخَلَّفَاتِ فَوْقَ ضِفَافِهِ
وَتَرَكْنَا الأَذَى يَسْرِي بِهَا عُدْوَانَا
وَكَأَنَّ نَهْرَ النِّيلِ لَيْسَ أَمَانَةً
وَكَأَنَّ مَاءَ النَّهْرِ لَيْسَ حَيَاتَنَا
نَهْدِمُ شَيْئًا مِنْ جَمَالِ ضِفَافِهِ
ثُمَّ نَرْثِي فِي المَسَاءِ جَمَالَنَا!
نُسْرِفُ المَاءَ، وَنَشْتَكِي نُدْرَتَهُ
فَكَأَنَّنَا نَنْسَى غَدًا وَبَقَايَنَا
يَا نِيلُ، لَسْتَ لِمَنْ يَسِيرُ بِمَائِكَ
أَوْ يَسْتَظِلُّ بِضِفَّةٍ مَجَانَا
أَنْتَ الأَبُ، وَالأَرْضُ أُمٌّ، وَمَاؤُكَ
عَهْدٌ يَصُونُ لَنَا غَدًا وَمَنَايَا
فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَكُونَ أَحِبَّةً
فَلْيَكُنْ سُلُوكُنَا لَكَ رُعَاةَ
لْنَغْسِلِ الأَيْدِيَ الَّتِي أَوْذَتْكَ، لَا
بِالمَاءِ… بَلْ بِصَحْوَةٍ مِنْ وَعْيِنَا
وَلْنَحْمِ ضِفَّتَكَ الخَضْرَاءَ مِنْ
عَبَثِ البَشَرِ، وَمِنْ جَفَاءِ يَدَيْنَا
يَا نِيلُ، فِي يَوْمِ الوَفَاءِ نَسْأَلُ:
مَنْ كَانَ أَوْفَى؟ أَنْتَ أَمْ أَهْوَاؤُنَا؟
أَنْتَ الوَفِيُّ، فَلَيْتَنَا نَسْتَحِي
وَنَرُدُّ بَعْضَ جَمِيلِكَ بِوَفَائِنَا
فَالوَفَاءُ لَيْسَ كَلَامَ شِعْرٍ نَقْرَؤُهُ
وَلَا احْتِفَالًا عَابِرًا بِغِنَائِنَا
الوَفَاءُ أَنْ نَحْمِيَ المِيَاهَ كَأَنَّهَا
رُوحٌ تَسِيرُ بِدَاخِلِ أَحْشَائِنَا
الوَفَاءُ أَنْ نَتْرُكَ لِأَطْفَالِنَا غَدًا
نَهْرًا نَقِيًّا… لَا رَمَادَ خَطَايَانَا
فَاعْذُرْنَا إِنْ كُنَّا قَصَّرْنَا، فَقَدْ
آنَ الأَوَانُ لِنَسْتَرِدَّ وَفَاءَنَا
يَا نِيلُ، يَا تَارِيخَ مِصْرَ وَمَجْدَهَا
سَنَصُونُ عَهْدَكَ… مَا حَيِينَا هُنَا
فَإِذَا وَفَيْتَ لَنَا بِمَائِكَ دَائِمًا
فَلْنَكُنْ أَوْفَى… لِكَيْ تَبْقَى لَنَا.



