من الوساطة إلى إعادة تشكيل موازين القوة.. لماذا يتصدر الجيش الباكستاني المشهد بين واشنطن وطهران؟
رداً على مخاوف البعض: هل أصبحت باكستان جزءاً من تحالف أمريكي ضد إيران؟

رئيس التحرير يكتب
رداً على مخاوف البعض من أن دخول المؤسسة العسكرية الباكستانية مباشرة على خط الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران يعني أن إسلام آباد تتحرك لصالح واشنطن، أو أنها بصدد الانضمام بصورة غير مباشرة إلى محور أمريكي ـ إسرائيلي ضد طهران، فإن قراءة المشهد في ضوء الوقائع المتاحة تقود إلى نتيجة أكثر تعقيداً.
فليس من الدقة اختزال الدور الباكستاني في كونه “مهمة أمريكية”، كما أنه ليس من المنطقي تجاهل أن واشنطن أصبحت تنظر إلى إسلام آباد، وبالأخص إلى قائد الجيش المشير عاصم منير، باعتبارها قناة اتصال مؤثرة مع طهران.
المسألة، في جوهرها، تبدو أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي لباكستان، ومحاولة لتحويل موقعها بين واشنطن وطهران والرياض وأنقرة إلى مصدر نفوذ سياسي وأمني مستقل.
والدليل الأوضح على ذلك أن باكستان لم ترسل وزير خارجيتها وحده إلى قلب الأزمة، بل دفعت بالمؤسسة العسكرية إلى الواجهة. ففي مايو 2026، وصل المشير عاصم منير إلى طهران في إطار جهود الوساطة، وعقد لقاءات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ووزير الداخلية إسكندر مومني. وأكد الجيش الباكستاني أن الزيارة حققت تقدماً باتجاه “تفاهم نهائي”. (Radio Pakistan)
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي:
لماذا يحتاج ملف وساطة دبلوماسية إلى قائد الجيش؟
ولماذا يكون العسكري الباكستاني هو أحد أهم الوجوه في مسار يفترض، وفق قواعد الدبلوماسية التقليدية، أن تتصدره وزارات الخارجية؟
بل إن المفارقة الأكثر إثارة أن المشير عاصم منير، عند وصوله إلى طهران، استقبله وزير الداخلية الإيراني إسكندر مومني، بحضور وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، إلى جانب مسؤولين مدنيين وعسكريين إيرانيين، وليس نظيره العسكري الإيراني في واجهة الاستقبال. (Al Jazeera)
وهذا التفصيل البروتوكولي، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات وجود تحفظ إيراني، يحمل دلالة تستحق القراءة: طهران قبلت منير بوصفه وسيطاً ذا وزن استراتيجي، لكنها لم تمنح الزيارة شكلاً يوحي بأن الجيشين الإيراني والباكستاني يديران معاً مساراً عسكرياً تفاوضياً.
ومن هنا يمكن فهم المشهد كله بصورة أكثر دقة.
أولاً: لماذا الجيش الباكستاني في قلب الوساطة؟
لأن الأزمة لم تعد دبلوماسية بالمعنى التقليدي.
إنها أزمة حرب، وردع، وصواريخ، ومنشآت نووية، وممرات بحرية، وطاقة، وأمن إقليمي.
ومن ثم فإن الوسيط الذي يستطيع مخاطبة الطرفين لا يحتاج فقط إلى معرفة لغة الدبلوماسية، بل إلى فهم لغة القوة أيضاً.
وهنا تبرز قيمة عاصم منير.
فبحسب Axios، كان منير الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع الحرب، كما أن وجوده في طهران جاء في محاولة لدفع اتفاق ينهي الحرب ويفتح الباب أمام مفاوضات أوسع. (Axios)
إذن، إرسال قائد الجيش لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً.
لقد كان رسالة بحد ذاته.
رسالة إلى واشنطن تقول:
باكستان تستطيع التحدث مع طهران على مستوى لا تستطيع الدبلوماسية الأمريكية الوصول إليه مباشرة.
ورسالة إلى طهران تقول:
الوسيط الذي أمامكم يفهم الحسابات العسكرية، وليس مجرد ناقل رسائل دبلوماسية.
ثانياً: ولكن لماذا لم تستقبل إيران نظيره العسكري؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا توجد أدلة كافية للقول إن إيران تعمدت إقصاء نظير منير العسكري أو أنها لا تثق بالمؤسسة العسكرية الباكستانية.
بل على العكس، فقد أجرى منير خلال زيارته لقاءات مع القيادة الإيرانية العليا، ووزير الخارجية ووزير الداخلية، والتقى بالرئيس والبرلمان. كما أن الجانب الباكستاني أعلن أن الزيارة كانت “إيجابية وبناءة”. (Radio Pakistan)
لكن اختيار وزير الداخلية الإيراني للاستقبال بدلاً من وضع قائد عسكري إيراني في واجهة المشهد يمكن قراءته، بحذر، باعتباره رغبة في إبقاء الزيارة داخل الإطار السياسي ـ الأمني للوساطة، وليس تحويلها إلى لقاء عسكري ـ عسكري.
وهذا مهم جداً.
فطهران تريد الاستفادة من قناة منير، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبدو وكأنها تدخل في شراكة عسكرية مع باكستان لإدارة الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
بعبارة أكثر وضوحاً:
إيران تقبل “منير الوسيط”، لكنها لا تريد بالضرورة أن تظهر “منير الحليف العسكري”.
وهذه واحدة من أهم الرسائل التي ينبغي التوقف عندها.
ثالثاً: هل باكستان تتحرك لصالح ترامب؟
نعم، هناك تقاطع واضح في المصالح؛ لكن هذا لا يساوي التبعية.
ترامب يحتاج إلى مخرج سياسي من حرب مكلفة ومعقدة.
وباكستان تحتاج إلى استعادة أهميتها الاستراتيجية لدى واشنطن.
ترامب يريد منع توسع الحرب.
وباكستان تريد منع امتدادها إلى حدودها.
واشنطن تحتاج قناة اتصال مع طهران.
وإسلام آباد تملك علاقات مباشرة مع إيران.
هذه المصالح تلتقي.
لكن القول إن باكستان أصبحت “أداة أمريكية” يحتاج إلى دليل أكبر بكثير من مجرد التعاون في الوساطة.
والأقرب إلى الواقع هو أن باكستان تحاول استثمار التقارب مع ترامب لمضاعفة هامشها الاستراتيجي.
رابعاً: السعودية تدخل المعادلة
وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً.
ففي سبتمبر 2025، وقعت السعودية وباكستان اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل، ثم جاء في 7 أغسطس 2026 اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي يقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً على الثلاث. (Reuters)
وهذا التطور لا يمكن فصله عن صعود الدور الباكستاني في الأزمة الإيرانية ـ الأمريكية.
فالسعودية تحتاج إلى قدرات دفاعية إضافية.
وباكستان تمتلك قوة عسكرية ونووية كبيرة.
وتركيا تمتلك جيشاً متقدماً وصناعة دفاعية متنامية.
ومن هنا يتشكل مثلث أمني جديد في المنطقة.
لكن من الخطأ وصفه فوراً بأنه “ناتو إسلامي”.
حتى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن الاتفاق يشبه تقنياً المادة الخامسة من حلف الناتو، مع التأكيد على أنه اتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها. (Reuters)
خامساً: إذن أين تقف باكستان؟
هنا تكمن براعة السياسة الباكستانية.
إسلام آباد تتحدث مع واشنطن، وتتوسط مع إيران، وتتحالف دفاعياً مع السعودية وتركيا.
وهذا يعني أنها لا تتحرك بمنطق:
“معسكر أمريكي أو معسكر إيراني”.
بل بمنطق:
“أكون جسراً بين المعسكرات، وأحوّل هذا الموقع إلى نفوذ.”
وهذا ما يجعل دور عاصم منير مهماً.
فهو في الوقت نفسه:
قائد جيش، وفاعل في الأمن القومي، وقناة اتصال مع واشنطن، ووسيط مع طهران، وشريك في منظومة دفاعية مع الرياض وأنقرة.
وهذه تركيبة غير عادية في الدبلوماسية المعاصرة.
سادساً: الرسالة الأمريكية
واشنطن تنظر إلى منير من زاوية مختلفة.
بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، وجود قائد عسكري باكستاني في الوساطة يعني أن هناك شخصية تستطيع أن تتحدث في آن واحد مع:
القيادة الأمريكية، والمؤسسة العسكرية الإيرانية، والقيادة السياسية الإيرانية.
ولهذا لم يعد منير مجرد قائد للجيش الباكستاني.
لقد أصبح جزءاً من البنية غير الرسمية للاتصال بين واشنطن وطهران.
وهذا يفسر لماذا أصبحت باكستان لاعباً لا يمكن تجاهله في الأزمة.
سابعاً: الرسالة الإيرانية
أما طهران فترسل رسالة مختلفة:
نحن نقبل الوساطة الباكستانية، لكننا لا نتخلى عن استقلالية قرارنا.
ولهذا جاء الاستقبال من وزير الداخلية، ثم توالت اللقاءات مع الرئيس والبرلمان ووزير الخارجية.
أي أن إيران لم ترفض الوسيط العسكري الباكستاني؛ بل أعادت وضعه داخل الإطار السياسي للدولة الإيرانية.
وهذا فرق كبير.
ثامناً: الرسالة الأهم إلى المنطقة
المشهد برمته يقول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة:
مرحلة تنويع مصادر القوة والأمن.
لم تعد الولايات المتحدة وحدها صاحبة المظلة الأمنية.
ولم تصبح باكستان بديلاً عن أمريكا.
ولم تتحول تركيا إلى قوة مهيمنة.
لكن دول المنطقة بدأت تبني شبكة من الترتيبات الأمنية المتداخلة.
السعودية مع باكستان.
السعودية مع تركيا.
تركيا مع باكستان.
وباكستان في الوقت ذاته تتحدث مع إيران وواشنطن.
وهذا يعني أن المنطقة لا تتجه بالضرورة إلى حلف واحد، وإنما إلى شبكة تحالفات ومصالح متقاطعة.
الخلاصة
رداً على مخاوف البعض: لا توجد، حتى الآن، أدلة كافية للقول إن باكستان أصبحت جزءاً من تحالف أمريكي ـ إسرائيلي ضد إيران.
لكن توجد أدلة قوية على شيء أكثر أهمية:
إسلام آباد تعيد تعريف موقعها في النظام الإقليمي.
فهي تستخدم قوتها العسكرية، وعلاقاتها مع السعودية وتركيا، وقنواتها مع إيران، وتقاربها المتنامي مع واشنطن، لكي تتحول من دولة تتلقى التوازنات الإقليمية إلى دولة تشارك في صناعتها.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن وزير الخارجية الباكستاني وحده في قلب الوساطة.
القضية بالنسبة لإسلام آباد ليست دبلوماسية فقط؛ إنها قضية أمن قومي ومكانة استراتيجية.
كما نفهم لماذا كان عاصم منير في طهران.
ولماذا استقبلته القيادة الإيرانية، ولكن عبر إطار سياسي ـ أمني لا عسكري صرف.
ولماذا تتحرك السعودية وتركيا في الوقت ذاته نحو اتفاق دفاعي ثلاثي مع باكستان.
الرسالة النهائية ليست أن باكستان اختارت أمريكا ضد إيران؛ بل أن باكستان تحاول أن تجعل أمريكا وإيران والسعودية وتركيا جميعاً بحاجة إلى دورها.
وهنا تحديداً تكمن قوة اللعبة الباكستانية:
أن تتحول من طرف في ميزان القوى إلى “بيضة القبان” في ميزان القوى الجديد.



