تحليل| من عشق آباد إلى بخارى.. شوكت ميرضيائيف ينسج بخيوط التاريخ طريقًا إلى اقتصاد المستقبل

رئيس التحرير يكتب
في لحظة دولية تتشابك فيها المصالح، وتُعاد فيها صياغة خرائط التجارة والطاقة والنفوذ، جاء خطاب الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف أمام اجتماع مجلس رؤساء دول رابطة الدول المستقلة، ليطرح سؤالًا يتجاوز حدود القمة ومكان انعقادها: كيف تتحول الجغرافيا المشتركة وذاكرة التاريخ إلى قوة اقتصادية تصنع المستقبل، بدلًا من أن تظل مجرد إرث تتناقله الأجيال؟
من عشق آباد، عاصمة تركمانستان، حيث انعقدت القمة في أجواء الاحتفال بالذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس الرابطة، رسم ميرضيائيف ملامح رؤية تقوم على الانتقال من التنسيق السياسي إلى التكامل الاقتصادي، ومن تبادل السلع إلى المشاركة في الإنتاج، ومن الاتفاقات المعلنة إلى مشروعات تترك أثرًا ملموسًا في حياة المواطنين.
ولم يكن اختيار مدينة بخارى لاستضافة الاجتماع المقبل مجرد تفصيل بروتوكولي؛ فالمدينة الأوزبكية العريقة، التي تختزن قرونًا من الحضارة والعلم والتجارة، تمنح الرئاسة الأوزبكية المقبلة رمزًا ثقافيًا يلتقي مع طموح اقتصادي يتطلع إلى المستقبل.
إن الرسالة المركزية للخطاب هي أن التاريخ المشترك لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا عندما يتحول إلى مصالح مشتركة، وأن الثقة بين الدول لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بما تنجزه من مشروعات وفرص وتنمية.
35 عامًا من التحولات.. وماذا بعد الذاكرة المشتركة؟
استهل الرئيس الأوزبكي كلمته بتوجيه الشكر إلى الرئيس التركماني سردار بردي محمدوف على حسن الاستقبال والتنظيم، مشيدًا بما تشهده منطقة أفازا من مظاهر التطور، وبالرئاسة التركمانية للرابطة وما شهدته من نشاط.
ثم جاءت الإشارة إلى الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس رابطة الدول المستقلة، لتضع الاجتماع في سياقه التاريخي والسياسي.
فقد شهدت الدول الأعضاء، على امتداد العقود الماضية، تحولات عميقة في أنظمتها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية وأولوياتها التنموية. وبينما تتباين تجاربها ومواردها ومصالحها، تظل بينها روابط جغرافية وإنسانية وتجارية يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون.
لكن استدعاء الماضي لا يكفي وحده لبناء المستقبل. فالتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الدول على تحويل القواسم المشتركة إلى آليات عملية، تضمن استمرار المصالح المتبادلة حتى مع اختلاف الأولويات الوطنية.
وهنا يطرح ميرضيائيف تصورًا واضحًا: التكامل ليس إلغاءً لخصوصية الدول، بل توظيفٌ لمزاياها المختلفة في مشروع تعاون يحقق منفعة متبادلة.
من الأسواق المتجاورة إلى سلاسل الإنتاج المشتركة
في قلب الخطاب، برزت دعوة الرئيس الأوزبكي إلى الانتقال من التبادل التجاري التقليدي إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة، تشترك فيها دول الرابطة في الإنتاج والاستثمار وتطوير التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق العالمية.
وهذا التحول مهم؛ لأن التجارة وحدها، مهما اتسع حجمها، لا تضمن بالضرورة بناء قاعدة صناعية قوية أو خلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة. أما التعاون في مراحل الإنتاج المختلفة، فيمكن أن يتيح للدول الاستفادة من مواردها وخبراتها، وتوسيع فرص التصنيع، وتعزيز قدرتها التنافسية.
ومن هذا المنطلق، دعا ميرضيائيف إلى تفعيل منطقة التجارة الحرة دون قيود، وإزالة الحواجز الفنية، والاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة، وتوسيع فرص الوصول إلى المشتريات الحكومية.
إنها خطوات تستهدف تهيئة بيئة تسمح للمنتجات والاستثمارات بالتحرك بصورة أكثر سلاسة، وتفتح المجال أمام الشركات للعمل عبر الأسواق الإقليمية بدلًا من التعامل مع كل سوق باعتباره مساحة منفصلة.
فالانتقال من بيع المنتجات إلى المشاركة في صناعتها هو انتقال من تجارة المنافع الآنية إلى بناء مصالح استراتيجية طويلة الأمد.
الأمن الغذائي.. حين يصبح التنسيق حمايةً للأسواق والشعوب
أولى الرئيس الأوزبكي اهتمامًا خاصًا للأمن الغذائي، باعتباره عنصرًا مباشرًا في استقرار الاقتصادات ورفاه المواطنين.
ودعا إلى الإسراع بإقرار اتفاق توسيع النفاذ المتبادل إلى المشتريات الحكومية للمنتجات الزراعية، إلى جانب برنامج للتعاون في مجال الأمن الغذائي.
لكن المقترح الأبرز تمثل في إنشاء آلية للإخطار المسبق والتشاور قبل فرض قيود على صادرات الغذاء والأسمدة، بما يسمح للدول بالتعرف مبكرًا على المخاطر المحتملة وتجنب المفاجآت التي قد تربك أسواق الشركاء.
وتكشف هذه الدعوة عن إدراك لأهمية الترابط بين السياسات الوطنية؛ فالقرار الذي تتخذه دولة لتقييد صادرات سلعة أساسية قد ينعكس سريعًا على الأسعار والإمدادات في دول أخرى، خصوصًا عندما تكون سلاسل التوريد متشابكة.
ومع ذلك، فإن نجاح الآلية المقترحة سيعتمد على وضوح قواعدها، والتزام الأطراف بها، وقدرتها على التوفيق بين حق كل دولة في حماية احتياجاتها الداخلية وضرورة الحفاظ على استقرار الأسواق الإقليمية.
فالأمن الغذائي لا يتحقق بالإنتاج وحده، بل يحتاج أيضًا إلى الثقة، وتبادل المعلومات، وسياسات تجارية يمكن توقعها.
المناطق الاقتصادية الخاصة.. من جزر استثمارية إلى شبكة إنتاج
انتقل الخطاب إلى ملف التصنيع والاستثمار، حيث دعا ميرضيائيف إلى ربط المناطق الاقتصادية الخاصة والمجمعات الصناعية في دول الرابطة ضمن شبكة متكاملة.
وأشار إلى ما أظهره معرض «إينوبروم آسيا الوسطى» والمنتدى الدولي الخامس للاستثمار في طشقند من اهتمام قطاع الأعمال بالتعاون، مؤكدًا أهمية توفير فرص جديدة تدعم هذا التوجه.
وتتجاوز الفكرة مجرد الترويج للاستثمار؛ إذ يمكن لربط المناطق الصناعية أن يتيح توزيع مراحل الإنتاج وفقًا للمزايا النسبية لكل دولة، وتطوير الصناعات المغذية، وتبادل الخبرات، وخفض التكاليف، وتوسيع الأسواق أمام المنتجات المشتركة.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع يتطلب تنسيقًا في الإجراءات الجمركية والمعايير الصناعية، وبيئة قانونية واضحة، وتدفقات استثمارية مستقرة، وآليات تضمن استفادة الأطراف المشاركة من المشروعات المشتركة.
كما دعا الرئيس الأوزبكي إلى الإسراع في اعتماد خارطة طريق لدعم أنشطة المناطق الاقتصادية الخاصة، بما يعكس توجهًا نحو الانتقال من المبادرات العامة إلى أطر أكثر تحديدًا للتنفيذ.
فالمنطقة الصناعية التي تعمل منفردة قد تجذب استثمارًا، أما المنطقة المتصلة بشبكة إقليمية فقد تسهم في بناء صناعة متكاملة.
النقل.. حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية
احتل الترابط في مجال النقل موقعًا بارزًا في خطاب الرئيس الأوزبكي، الذي دعا إلى إنشاء مراكز لوجستية متكاملة، وخفض تكاليف العبور، وتوحيد قواعد نقل البضائع، وإنشاء نظام معلومات موحد للنقل داخل الرابطة.
وتكتسب هذه المقترحات أهمية في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة بين فضاءات اقتصادية واسعة، بينما تظل كفاءة النقل وتكاليفه والإجراءات المرتبطة به عوامل مؤثرة في تنافسية المنتجات وقدرة الشركات على الوصول إلى الأسواق.
كما أعلن ميرضيائيف دعم المبادرة التركمانية لإعلان عام 2029 عامًا للترابط في مجال النقل داخل رابطة الدول المستقلة.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التوجه لن تتحدد بالإعلان الرمزي وحده، بل بما يصاحبه من مشروعات بنية تحتية، وتنسيق للأنظمة والإجراءات، وجداول زمنية واضحة، وآليات تمويل ومتابعة.
فالممرات اللوجستية لا تُقاس بطول الطرق أو السكك الحديدية فقط، بل بقدرتها على نقل السلع بسرعة وكلفة تنافسية، وربط المنتجين بالمستهلكين، وتسهيل حركة التجارة عبر الحدود.
حين تنخفض كلفة المسافة، تتسع مساحة الفرص؛ وحين تتكامل الممرات، تتحول الجغرافيا من تحدٍّ إلى ميزة استراتيجية.
أمن الطاقة.. رؤية تتجاوز المواسم إلى العقود
لم يغفل الخطاب التحديات المرتبطة بالطاقة، إذ دعا ميرضيائيف إلى إعداد توقعات طويلة الأجل لتطور الترابط الإقليمي في قطاع الطاقة خلال العقود المقبلة.
وتستهدف هذه الرؤية تحديد مواسم الفائض والعجز في الإمدادات، واحتياجات تطوير الشبكات، والسبل الأكثر كفاءة للجمع بين الطاقة الكهرومائية والتوليد الحراري ومصادر الطاقة المتجددة.
وفي هذا السياق، أشار إلى إعداد برنامج للتنمية الابتكارية لقطاع الطاقة في الرابطة، وخطة عمل لتنفيذه.
وتنبع أهمية هذا التوجه من تفاوت الموارد الطبيعية والقدرات الإنتاجية بين الدول، إلى جانب تزايد الطلب على الطاقة والحاجة إلى تحديث البنية التحتية وتحسين كفاءة الاستخدام.
ويمكن للتكامل أن يتيح تبادل الفوائض، ومواجهة الاختلالات الموسمية، وتحسين توزيع الموارد، بشرط وجود قواعد واضحة للتعاون، وآليات موثوقة لتبادل الإمدادات وتسوية الالتزامات.
كما يتطلب نجاحه توافقًا على أولويات الاستثمار، وأمن الإمدادات، وتوزيع التكاليف والمنافع، مع احترام السيادة الوطنية والاحتياجات التنموية لكل دولة.
فأمن الطاقة لا يبدأ عند انقطاع الإمدادات، بل يبدأ بالتخطيط المشترك قبل ظهور الأزمات.
الاقتصاد الدائري.. التنمية في مواجهة تحديات المناخ
في ملف التغير المناخي، دعا ميرضيائيف إلى تسريع إدخال التكنولوجيا منخفضة الكربون وتطوير أنظمة الإنتاج الدائري، مقترحًا إعداد تصور مشترك للتعاون في كفاءة استخدام الموارد والاقتصاد الدائري.
وتتجاوز هذه الرؤية البعد البيئي المباشر، لتلامس مستقبل الصناعة وقدرتها على المنافسة في الأسواق التي تزداد فيها أهمية الاستدامة وكفاءة الإنتاج وتقليل النفايات.
فالاقتصاد الدائري يتيح فرصًا لإعادة استخدام المواد، واسترداد الموارد، وتقليل الهدر، وابتكار نماذج إنتاج أكثر كفاءة، بما يمكن أن يفتح مجالات جديدة للاستثمار والتكنولوجيا والوظائف.
لكن الانتقال إلى هذا النموذج يحتاج إلى تشريعات مناسبة، وتمويل، وخبرات تقنية، وتعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية.
ومن هنا، تبرز أهمية المقترح الأوزبكي في السعي إلى تحويل التحدي المناخي من عبء مشترك إلى مجال جديد للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
الثقافة والشباب.. الجسر الإنساني الذي يحمي المصالح
على الرغم من التركيز الواضح على الاقتصاد والبنية التحتية، منح الرئيس الأوزبكي العلاقات الثقافية والإنسانية مكانة مهمة، معتبرًا إياها أساسًا لتعزيز التفاهم والثقة بين الشعوب.
ودعا إلى توسيع دور صندوق التعاون الإنساني بين الدول، وإيلاء اهتمام أكبر للصناعات الإبداعية التي تتطور بسرعة تحت تأثير التكنولوجيا الحديثة، مقترحًا تنظيم منتدى للسياسات الثقافية والصناعات الإبداعية.
كما أشار إلى استعداد مدينة خيوة التاريخية لاستضافة منتدى شباب رابطة الدول المستقلة، معربًا عن ثقته في قدرته على توفير مساحة لإطلاق الطاقات الفكرية والإبداعية للشباب.
وتكشف هذه المبادرات عن إدراك أن التكامل لا يمكن أن يظل حبيس غرف الاجتماعات أو حسابات التجارة والاستثمار؛ فالأدب والفنون والتعليم والتبادل الشبابي تفتح مسارات للتواصل، وتعزز المعرفة المتبادلة، وتبني علاقات إنسانية يمكن أن تدعم التعاون على المدى الطويل.
وتكتسب الصناعات الإبداعية أهمية إضافية باعتبارها مساحة يلتقي فيها التراث بالابتكار، والثقافة بالتكنولوجيا، والإبداع بفرص العمل والاستثمار.
إذا كانت المصانع تبني المصالح، فإن الثقافة تبني الثقة؛ وإذا كانت الاتفاقات تربط الحكومات، فإن المعرفة المتبادلة تقرّب الشعوب.
الجريمة السيبرانية.. معركة تتجاوز الحدود
في جانب آخر من خطابه، توقف ميرضيائيف عند التصاعد العالمي للجريمة السيبرانية، محذرًا من الأضرار التي يلحقها الاحتيال باستخدام تكنولوجيا المعلومات بالمواطنين والشركات، ومن المخاطر التي قد يفرضها على استقرار الأنظمة المالية.
واقترح تكليف مجلس وزراء الداخلية في دول الرابطة بإعداد تدابير عاجلة لإنشاء مركز اتصال مشترك للاستجابة السريعة للجرائم السيبرانية العابرة للحدود وأساليب الاحتيال.
ويعكس المقترح إدراكًا بأن التحول الرقمي، رغم ما يوفره من فرص اقتصادية وخدمية، يفرض تحديات أمنية لا تستطيع دولة منفردة مواجهتها بكفاءة كاملة.
فالجريمة السيبرانية تستفيد من سرعة انتقال الأموال والبيانات، ومن اختلاف القوانين والإجراءات بين الدول، الأمر الذي يجعل تبادل المعلومات والتنسيق الفني والاستجابة السريعة عناصر أساسية في مواجهتها.
لكن نجاح المركز المقترح يتطلب تحديد صلاحياته، وتطوير آليات للتعاون القانوني والفني، وضمان حماية البيانات الشخصية، واحترام القوانين الوطنية، بما يحقق التوازن بين كفاءة الاستجابة وصون الحقوق والحريات.
في عالم تتحرك فيه الأموال والبيانات عبر الحدود خلال لحظات، لم يعد الأمن الرقمي شأنًا محليًا خالصًا، بل مسؤولية تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود.
من عشق آباد إلى بخارى.. الرئاسة الأوزبكية أمام اختبار التنفيذ
في ختام كلمته، أعلن ميرضيائيف استعداد أوزبكستان لتولي رئاسة رابطة الدول المستقلة في العام المقبل، داعيًا قادة الدول الأعضاء إلى الاجتماع التالي في مدينة بخارى.
وتحمل بخارى، بما تختزنه من إرث حضاري وعلمي وتجاري، دلالة رمزية تتجاوز مكان انعقاد القمة؛ فهي مدينة ارتبط اسمها بتاريخ طويل من التواصل الثقافي والتبادل التجاري، بما يجعلها خلفية مناسبة لطرح رؤية جديدة للتعاون الإقليمي.
لكن الاختبار الحقيقي للرئاسة الأوزبكية لن يكون في عدد الاجتماعات أو حجم البيانات الختامية، وإنما في القدرة على ترتيب الأولويات، وتحديد المشروعات القابلة للتنفيذ، ومتابعة الالتزامات، وقياس النتائج التي تصل إلى المواطنين.
فالمقترحات المطروحة واسعة النطاق، وتمتد من التجارة والأمن الغذائي إلى النقل والطاقة والمناخ والثقافة والأمن السيبراني. وهذا التنوع يمنح الرئاسة المقبلة فرصًا لتطوير التعاون، لكنه يفرض أيضًا ضرورة تحديد أولويات واقعية وتجنب تشتيت الموارد والجهود.
ومن ثم، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيعتمد على تحويل المبادرات إلى خارطة طريق واضحة، تتضمن مشروعات محددة، وجداول زمنية، ومسؤوليات معلنة، وآليات لمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج.
فالقيادة الدورية للرابطة لا تُقاس فقط بما تطرحه من أفكار، بل بقدرتها على تحويل الأفكار إلى إنجازات مشتركة.
الخلاصة.. التاريخ يمنح الجذور، والعمل يصنع الثمار
يقدم خطاب شوكت ميرضيائيف تصورًا لتطوير رابطة الدول المستقلة من إطار يجمع دولًا ذات تاريخ مشترك إلى فضاء أوسع للتكامل الاقتصادي والتكنولوجي والإنساني.
وتتمثل الفكرة المحورية في الربط بين الملفات التي كثيرًا ما تُناقش بصورة منفصلة: فالتجارة تحتاج إلى نقل فعال، والتصنيع يحتاج إلى استثمارات وتكنولوجيا، والأمن الغذائي يحتاج إلى تنسيق في الأسواق، والطاقة تحتاج إلى شبكات مترابطة، والتحول الرقمي يحتاج إلى تعاون أمني، بينما تحتاج جميع هذه المسارات إلى قدر كافٍ من الثقة السياسية.
ومع ذلك، تظل المسافة بين الرؤية والتنفيذ هي المعيار الحاسم. فالتكامل الاقتصادي لا يتحقق بمجرد تقارب المصالح، وإنما يحتاج إلى مؤسسات فعالة، وقواعد مستقرة، وتمويل مستدام، والتزام متبادل يضمن توزيع المنافع بصورة مقبولة.
من عشق آباد إلى بخارى، تبدو الرسالة الأوزبكية دعوة إلى الانتقال من ميراث التاريخ إلى صناعة المستقبل؛ من الجوار الجغرافي إلى المصالح المتشابكة، ومن الاتفاقات المكتوبة إلى النتائج الملموسة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل تنجح الرئاسة الأوزبكية في تحويل هذه الرؤية إلى واقع اقتصادي وإنساني يشعر به المواطن في حياته اليومية؟
الإجابة لن تكتبها الخطب، مهما بلغت بلاغتها، بل ستكتبها المصانع الجديدة، وطرق النقل الأكثر كفاءة، وأسواق الغذاء الأكثر استقرارًا، وشبكات الطاقة الأكثر تكاملًا، والفرص التي تُفتح أمام الشباب.
فالتاريخ يمنح الشعوب جذورها، لكن المستقبل لا يمنح ثماره إلا لمن يزرعها معًا.



