رأى
عندما تتحول الثقة السياسية إلى رأس مال اقتصادي: هندسة جديدة لمنطقة آسيا الوسطى

بقلم: أ. د. تولكين تيشابايف
رئيس جامعة طشقند الحكومية للاقتصاد، دكتور في علوم الاقتصاد، أستاذ جامعي
إن التغيرات والتحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة آسيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة لا يمكن اختزالها في مجرد “تقارب دبلوماسي” عابر؛ بل هي عملية إعادة تشكيل شاملة ومباشرة للمشهد الاقتصادي الإقليمي برمته.
فقبل سنوات قليلة فقط، كانت قضايا الملفات الحدودية، وممرات النقل، وسبل إدارة الموارد المائية والطاقة تُطرح كبؤر للنزاع ومصادر للخلاف. أما اليوم، فقد تحولت هذه المحاور عينها إلى أعظم فرص التعاون والنمو. يعود هذا التحول العميق إلى إدراك دول المنطقة أن الأسواق الفردية والمقدرات المحدودة لكل دولة على حدة لا يمكنها تحقيق القفزات المرجوة، في حين أن الفضاء الاقتصادي المترابط يُنشئ سوقاً إقليمية أوسع وأكثر جاذبية للاستثمارات.
إن الركيزة السياسية لهذا التحول التاريخي ترتبط بالنهج الإقليمي الجديد الذي انطلق عام 2017؛ إذ ساهمت سياسة الانفتاح وحسن الجوار والبراغماتية التي أطلقها ورعاها رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيايف في تمتين جسور الحوار بين دول آسيا الوسطى.
وبينما عُقد “الاجتماع التشاوري الأول لرؤساء دول آسيا الوسطى” في أستانا عام 2018، أصبحت هذه اللقاءات بحلول عام 2025 تقليداً إقليمياً ثابتاً ومثمراً. والأهم من ذلك أن الثمار الاقتصادية لهذا الحوار أضحت ملموسة وواضحة للعيان:
-
التجارة البينية: ارتفع حجم التجارة المتبادلة بين دول المنطقة في عام 2023 بأكثر من 2.5 ضعف مقارنة بالسنوات السابقة.
-
الاستثمارات المتبادلة: تضاعفت معدلات الاستثمار البيني بنحو ستة أضعاف.
-
النمو الرقمي: أُعلن في اجتماع طشقند عام 2025 أن التجارة البينية في آسيا الوسطى بلغت 10.7 مليار دولار.
تكمن خلف هذه الأرقام منطقية اقتصادية راسخة: كلما زادت الثقة السياسية انخفضت المخاطر الاستثمارية، وكلما انخفضت المخاطر تدفقت رؤوس الأموال وانتعشت حركة التجارة.
قمة طشقند السابعة: هندسة جيو-اقتصادية جديدة
مثّل الاجتماع التشاوري السابع، الذي أُقيم في طشقند خلال شهر نوفمبر 2025، مرحلة مفصلية في مسار التعاون الإقليمي؛ حيث أسهم انضمام جمهورية أذربيجان إلى هذا المسار كعضو كامل العضوية في توسيع الجغرافيا الاقتصادية لآسيا الوسطى.
لماذا يكتسب هذا الانضمام أهمية استراتيجية؟
إن أحد أكبر التحديات الاقتصاديّة التي تواجه دول آسيا الوسطى هو عدم وجود منافذ مباشرة ومفتوحة على البحار والمحيطات. وهنا تأتي أذربيجان عبر بحر قزوين لتشكل الجسر الحيوي الذي يربط المنطقة بأسواق القوقاز، وتركيا، والقارة الأوروبية.
وفي هذا السياق، تفتح البنية التحتية المتمثلة في ميناء باكو، وطريق النقل الدولي عبر بحر قزوين (الممر الأوسط)، وشبكات السكك الحديدية، آفاقاً تصديرية واعدة لمنتجات آسيا الوسطى.
إن الأمر لا يقتصر على مجرد نقل البضائع؛ بل يمتد لشمل إنشاء مراكز لوجستية، ومستودعات تخزين، وخدمات مالية وتأمين، ومؤسسات تحويلية وصناعية تنشأ على طول هذه الممرّات. بمعنى آخر: إن الممر اللوجستي الواحد قادر على توليد قطاعات اقتصادية كاملة ومجالات أعمال جديدة.
بفضل هذه الخطوات، بدأت آسيا الوسطى تتخلص تدريجياً من القالب القديم كـ “منطقة مغلقة قارياً”، لتبرز كـ مركز اقتصادي ولوجستي محوري تتلاقى فيه ممرات النقل الأوراسية.
التكامل الاقتصادي: يقوده مجتمع الأعمال لا البيانات الرسمية
إن النجاح الحقيقي للتعاون الإقليمي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات والمذكرات الموقعّة في القمم، بل بالتغيير الملموس في واقع الشركات، والمصانع، ورواد الأعمال. وفي هذا الصدد، تكتسب العلاقات الثنائية أهمية بالغة:
-
مع كازاخستان: يستهدف البلدان رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار، في ظل تأسيس آلاف المشاريع والمؤسسات المشتركة خلال السنوات الأخيرة.
-
مع تركمانيا: ناهز التبادل التجاري حاجز المليار دولار، مع نمو مشهود في تجارة الحدود وحركة الشحن البري، مما يعكس تجذّر الروابط الاقتصادية على مستوى المناطق الحدودية وليس العواصم فقط.
-
مع قيرغيزستان: يبرز التعاون في قطاعي النقل والطاقة، وعلى رأس ذلك المشروع الاستراتيجي لـ سكة حديد (الصين – قيرغيزستان – أوزبكستان)، والذي سيعزز حال إتمامه ترابط المنطقة بشبكات النقل بين الشرق والغرب.
-
مع تاجيكستان: تتطور العلاقات بنحو حثيث عبر تعميق التعاون الصناعي، والتجاري، وإدارة ملفات الملاحة، والمياه، والطاقة برؤية شريكة ومستدامة.
تتكامل هذه المسارات ضمن اتجاه عام واحد: بدأت الدول المجاورة تنظر إلى بعضها البعض ليس كشرايين تسويقية ومستهلكين فحسب، بل كشركاء حقيقيين في عمليات الإنتاج والاستثمار.
أوزبكستان وأذربيجان: نحو أسواق مشتركة وشراكة دائمة
تحتل العلاقات بين أوزبكستان وأذربيجان موقعاً خاصاً في منظومة التعاون بين آسيا الوسطى وجنوب القوقاز؛ حيث تتوسع المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة، واللوجستيات، والبناء، والجيولوجيا، والنسيج، والسياحة. وقد شهد عام 2025 زيادة ملحوظة في التبادل التجاري، مع استمرار تسجيل معدلات نمو عالية في عام 2026، وسط تطلع البلدين للوصول بحجم التجارة إلى مليار دولار بحلول عام 2030.
تتجلى القيمة المضافة لهذه الشراكة في دمج القدرات الإنتاجية لأوزبكستان مع الإمكانيات اللوجستية والمينائية لأذربيجان؛ إذ يمكن للمنتجات المصنّعة في أوزبكستان العبور عبر بحر قزوين إلى أذربيجان، ومنها مباشرة إلى أسواق تركيا وأوروبا. وتنسيق الإجراءات الجمركية، والتعريفات الجمركية لسكك الحديد، وعمليات الموانئ، والأنظمة الرقمية للوثائق على طول هذا الخط، يسهم في تخفيض التكلفة والزمن اللازمين لوصول المنتجات إلى الأسواق العالمية.
من “تشولبون-آتا” إلى “أفازا”: أفق الاجتماع التشاوري الثامن
تتجه الأنظار إلى المنطقة السياحية الوطنية “أفازا” في تركمانيان، والتي تستضيف خلال الفترة من 8 إلى 9 أكتوبر 2026 أعمال الاجتماع التشاوري الثامن لرؤساء دول آسيا الوسطى.
تظهر أهمية هذا اللقاء في جدول أعماله الشامل؛ إذ من المقرر أن يناقش الرؤساء -إلى جانب ملفات النقل والطاقة- قضايا المياه، والمناخ، والبيئة، وإنقاذ بحر أرال، والتعليم، وتنمية رأس المال البشري.
لم يعد بالإمكان فصل المستقبل الاقتصادي للمنطقة إلى قطاعات معزولة؛ فالماء مرتبط بالزراعة والطاقة، والطاقة مرتبطة بالصناعة التحويلية، والنقل مرتبط بالتصدير، والتعليم مرتبط بالتكنولوجيا الحديثة. لذلك، فإن المرحلة القادمة تقتضي تجاوز الفهم التقليدي للتكامل كـ “مجرد زيادة في التجارة” إلى “خلق قيمة مضافة مشتركة”.
سلاسل القيمة الإقليمية: نموذج التكامل الشامل
إن الرهان الحقيقي لدول آسيا الوسطى لا يتوقف عند رفع حجم التبادل التجاري، بل يتعداه إلى تحديد حجم القيم المضافة التي يُجرى خلقها داخل المنطقة.
مثال تطبيقي: إذا تم تصنيع مكونات السيارات في دولة، وتجميع المركبة في دولة ثانية، وإنتاج قطع الغيار في دولة ثالثة، ثم النفاذ بالمنتج النهائي إلى الأسواق الخارجية عبر دولة رابعة؛ فإننا نكون أمام تكامل اقتصادي إقليمي حقيقي.
يمكن تطبيق هذا النموذج في صناعات النسيج، والهندسة الكهربائية، والسيارات، والمنتجات الغذائية، والصناعات الكيميائية، والدوائية، ومواد البناء. ولتحقيق ذلك، يتعين العمل على:
-
رقمنة الإجراءات الجمركية وإلغاء التعقيدات البيروقراطية.
-
الاعتراف المتبادل بشهادات جودة ومطابقة المنتجات.
-
تقليص فترات الانتظار للشاحنات عند المعابر الحدودية.
-
تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني والوثائق الموحدة.
ملف المياه والطاقة: تحويل التحديات إلى مصالح مشتركة
تُعد إدارة الموارد المائية والطاقة من أكثر الملفات دقة في مسار التكامل. فنظراً لعدم التكافؤ الطبيعي في توزيع الموارد بين دول المصب ودول المصدر، فإن التصرفات الأحاديّة قد تؤدي إلى نتائج غير محمودة للمنطقة ككل.
في المقابل، فإن التنسيق المشترك لإدارة الخزانات السدية، ومحطات توليد الكهرباء، والمشاريع الزراعية، وشبكات الكهرباء الموحدة يزيد من الكفاءة العامة. ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي وشح المياه، يغدو التعداد الرقمي للمياه، وتبادل البيانات الفورية، والتنبؤ المناخي المشترك عناصر لا غنى عنها لاستدامة المنطقة.
صيغة “آسيا الوسطى Plus”: الحركة في تناغم مع العالم
من النتائج البارزة لهذا التقارب الإقليمي، بروز آسيا الوسطى ككتلة اقتصادية متماسكة وموحدة في المفاوضات مع الشركاء الدوليين عبر صيغة “آسيا الوسطى Plus” (والتي تضم الحوارات مع الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، والولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، وغيرها).
بات الشركاء الدوليون ينظرون إلى المنطقة ليس كخمس أسواق صغيرة ومتفرقة، بل كـ فضاء اقتصادي موحد ومترابط. وتؤكد القمم المشتركة -مثل قمة “آسيا الوسطى والاتحاد الأوروبي” في سمرقند (2025) وقمة “آسيا الوسطى وجمهورية كوريا” في سيول (2026)- أن المنطقة توازن بنجاح بين تعزيز تكاملها الداخلي وتنويع علاقاتها الاقتصادية الخارجية.
الأولويات السبع للتنمية الجديدة
| # | المحور الاستراتيجي | الهدف والآلية |
| 1 | الرقمنة الجمركية | تسريع حركة البضائع وتخفيض تكاليف الشحن عبر الحدود. |
| 2 | سلاسل القيمة | زيادة عدد المشاريع الصناعية المشتركة وتعميق التصنيع البيني. |
| 3 | شبكات اللوجستيات | ربط خط (الصين-قيرغيزستان-أوزبكستان) والممر الأوسط في منظومة موحدة. |
| 4 | التمويل والاستثمار | توسيع صناديق الاستثمار المشتركة وآليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. |
| 5 | إدارة المياه والطاقة | التنسيق طويل الأمد وتبادل البيانات لمواجهة التغيرات المناخية. |
| 6 | التجارة الرقمية | توحيد معايير المدفوعات الإلكترونية والتجارة عبر الحدود. |
| 7 | رأس المال البشري | الاستثمار في المهندسين، المبرمجين، والعلماء لقيادة اقتصاد المعرفة. |
خاتمة: الفرصة التاريخية لآسيا الوسطى
تقف المنطقة اليوم أمام فرصة تاريخية تحول فيها العوائق الجغرافية إلى ميزات اقتصادية، والمشكلات المشتركة إلى مشاريع تنموية واعدة.
إن تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة يقتضي أن تتحول الاتفاقيات الموقعة في القمم إلى منتجات جديدة في المصانع، وأن تترجم اتفاقيات النقل إلى انخفاض في تكاليف اللوجستيات، وأن توفر عقود الاستثمار فرص عمل جديدة للمواطنين.
متى ما اكتملت هذه الحلقة، ستتحول آسيا الوسطى من منطقة مغلقة جغرافياً إلى شريان اقتصادي وتجاري حاسم في قلب قارة أوراسيا. وستظل سياسة أوزبكستان الجديدة المنفتحة والبراغماتية المحرك الأساسي والقوة الدفعة لهذا المسار التنموي المشرك.



