رئيس التحريرسلايدر

صَفْصَافَةُ بِكِينِ… حَنِينُ الْأَمْسِ

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

 

 

يَا بِكِينُ، رِفْقًا…

كَمْ أَسْعَدَنِي وَأَحْزَنَنِي شَجَرُ صَفْصَافِكِ الْبَهِيُّ الْبَاكِي…

زُلْزِلَ فُؤَادِي، وَصَاحَتْ فِي قَلْبِي صَفْصَافَةُ الْأَمْسِ الْبَعِيدِ.

فَانْبَثَقَ لِي وَجْهُهَا النَّقِيُّ الْمَنْحُوتُ مِنَ الضِّيَاءِ؛

عَيْنَاهَا نَهْرَانِ مِنَ الصَّفَاءِ يَغْرَقُ فِيهِمَا الْمَدَى،

وَثَغْرُهَا بَسْمَةُ الْفَجْرِ إِذَا تَبَسَّمَتْ،

وَقَوَامُهَا الْفَارِعُ يَفُوقُ غُصُونَ صَفْصَافِكِ لَدَانَةً وَرِقَّةً.

أَرَى شَعْرَهَا الصَّفْصَافِيَّ الْمُنْسَدِلَ يَتَمَوَّجُ أَمَامِي،

بِمَلْمَسٍ حَرِيرِيٍّ يَفُوقُ النُّعُومَةَ،

أَيَّامَ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ كِسْوَتَنَا الْغَالِيَةَ.

كَمْ لَعِبْنَا مَعًا أَلْعَابَ الْعِشْقِ وَالْحَنِينِ؛

نَخْتَبِئُ فِي «الِاسْتِغْمَايَةِ» بَيْنَ الظِّلَالِ،

كَمْ عَدَوْنَا فَوْقَ الْعُشْبِ فَسَبَقْنَا الظِّلَّ!

وَكَمْ قَطَفْنَا مَعًا عِنَبَ الْعَنْزِ، وَالتُّوتَ ذَا الْخَدِّ الْجَمِيلِ،

وَحَبَّاتِ الْمَانْجُو، وَالْكَرَزِ، وَغَيْرِهَا…

فَيُذِيقُ كُلٌّ مِنَّا الْآخَرَ طَعْمَ الشَّهْدِ الْمُصَفَّى!

وَكَمْ غَطَسْنَا تَحْتَ الْمَاءِ…

أَيُّ الصَّدْرَيْنِ يَحْبِسُ النَّفَسَ أَطْوَلَ؟

كَمْ قَفَزْنَا مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ إِلَى عُمْقِ النَّهْرِ،

نُنَافِسُ فِي وَثْبَتِنَا الْغِزْلَانَ وَالسَّمَكَ!

وَكَمْ إِلَى كَمْ مِنْ مَوَاسِمِ الْفَرَحِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ!

أَسِيرُ الْيَوْمَ فِي شَوَارِعِكِ وَشَوَارِعِ شِنْجِنَ الْغَنَّاءِ،

بَيْنَ نَاطِحَاتِ الصَّفْصَافِ وَسَائِرِ الْأَشْجَارِ،

فَكُلَّمَا طَالَعْتُ شَجَرَةً رَأَيْتُهَا تَسْكُنُ أَعَالِيَهَا الْبَاسِقَةَ،

بَيْنَمَا غُصُونُ الصَّفْصَافِ تَتَسَمَّعُ إِلَى طَيْفِهَا ابْتِهَاجًا وَطَرَبًا!

تَتَنَافَسُ الْأَشْجَارُ كُلُّهَا فِي الشَّوَارِعِ لِنَيْلِ عِنَاقِهَا،

فَأَغَارُ عَلَيْهَا غَيْرَةً تَشْتَعِلُ!

أَقِفُ حَاجِبًا، حَائِلًا بَيْنَ غُصُونِ الصَّفْصَافِ وَحَبِيبَتِي،

أَهْمِسُ فِي أُذُنِهَا:

«أَنَا الْحَبِيبُ… لَا غَيْرِي».

وَإِذَا مَا غَازَلَهَا الْهَوَى بَيْنَ النَّاطِحَاتِ وَبَعْثَرَ شَعْرَهَا،

سَأَلْتُ الصَّفْصَافَ أَنْ يَمُدَّ غُصُونَهُ لِيَكُونَ لَهَا سِتْرًا.

كَمْ كُنْتُ أُصَفِّفُ شَعْرَ مَحْبُوبَتِي بِأَصَابِعِي،

كَمَا أُصَفِّفُ الْيَوْمَ غُصُونَ الصَّفْصَافِ الْبَاكِيَةَ عَلَى بِعَادِنَا!

وَكَمْ قَطَفْتُ مِنْ تِلْكَ الْغُصُونِ لِأَزْرَعَهَا بَيْنَ ضَفَائِرِهَا،

فَيَغَارُ الصَّفْصَافُ كَمَدًا مِنْ فَائِقِ جَمَالِهَا!

تَوَالَتِ الْأَيَّامُ وَكَبِرْنَا مَعًا فِي الشَّكْلِ وَالْمَنْظَرِ،

وَعَلَى التَّوَازِي تَرَعْرَعَتِ الذِّكْرَيَاتُ وَالْأَمَانِي فِي قُلُوبِنَا.

عَقَدْنَا الْعَزْمَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ أَنَّنَا فِي الْكَوْنِ

جَسَدَانِ يَحْيَيَانِ بِرُوحٍ وَاحِدَةٍ.

وَلَمْ نَكُنْ نَدْرِي أَنَّ يَوْمًا سَيَتَرَبَّصُ بِنَا الْغَدْرُ،

فَانْفَلَقْنَا نِصْفَيْنِ!

سَكَنَ كُلٌّ مِنَّا الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ.

لَكِنَّ الذِّكْرَيَاتِ بَقِيَتْ مَفَاصِلَ وَوَصْلًا،

وَلَا تَزَالُ هَمْزَةُ هَمْسٍ بَيْنَنَا فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ.

وَإِذَا مَا سَكَتَتْ حَبِيبَتِي بَعْدَ طُولِ الْوَجْدِ،

سَأَلَتْهَا غُصُونُ الصَّفْصَافِ أَنْ تَحْكِيَ عِشْقًا خَالِدًا،

وَأَنْ تَرْوِيَ لِلشَّجَرِ سِمَاتِ حَبِيبِهَا الَّذِي مَلَأَ كَوْنَهَا؛

عَنْ رُجُولَتِهِ الْحَاضِنَةِ،

وَقَلْبِهِ النَّقِيِّ كَمَاءِ الْغَمَامِ،

وَعَنْ صَبْرِهِ الطَّوِيلِ عَلَى مَحَارِيبِ النَّوَى،

وَثَبَاتِهِ فِي وَجْهِ الْأَعَاصِيرِ.

سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً مِنَ الْبُعْدِ وَالْهِجْرَانِ،

أَذْبَلَتْ غُصُونَهَا فِي دِيَارِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ…

وَالْيَوْمَ نَبَتَتْ بِقُوَّةٍ هُنَا فِي قَلْبِ الصِّينِ،

بِفِعْلِ صَفْصَافِ بِكِينِ.

وَالْآنَ…

أَقِفُ مَذْهُولًا فِي شَوَارِعِكِ،

لَسْتُ أَدْرِي:

أَإِنْسٌ أَنَا أَلْمَحُهُ أَمَامِي فِي نَاطِحَاتِ الشَّجَرِ؟

أَمْ جِنٌّ بَعَثَهُ صَفْصَافُ بِكِينِ مِنْ جَدِيدٍ لِيُحْيِيَ قَلْبِي الْمَعْمُورَ؟

إِلَهِي…

يَا مُجِيبَ الضَّارِعِينَ وَيَا رَبَّ السَّمَاءِ،

يَا مَنْ أَنْبَتَّ هَذَا الصَّفْصَافَ فِي أَرْضِ الْبُعْدِ نَمَاءً وَرَوَاءً،

أَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ أَنْ تَجْعَلَ هَذَا الشَّجَرَ جِسْرًا إِلَى اللِّقَاءِ،

وَأَنْ تَمُنَّ عَلَى قَلْبَيْنِ ذَابَا مِنَ النَّوَى بِالشِّفَاءِ وَالْبَقَاءِ.

اللَّهُمَّ طَالَمَا تَنَفَّسَتْ رِئَةُ بِكِينِ بِهَذَا الصَّفْصَافِ الْحَنُونِ،

فَاجْعَلْهُ بَابًا لِعَوْدَةِ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ الْمَمْطُورِ بِالشُّجُونِ،

وَاكْتُبْ لَنَا يَوْمًا نَسْتَسْقِي فِيهِ عَبَقَ الْبَرَاءَةِ وَالْجُنُونِ،

لِيَزُولَ الشَّوْكُ،

وَيَبْقَى الشَّوْقُ حَيًّا…

مَحْفُوظًا بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ.

آمِينَ… آمِينَ…

يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى