
✍️دبلوماسى يكتب
منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، سقطت أول قطرة دم على طريق السلطة يوم اغتيل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فاشتعلت نار سُمّيت في التاريخ بـ”الفتنة الكبرى”. لكنها لم تكن مجرد حادثة؛ كانت بوابة انفتحت على بحر من الدماء، تتلاطم أمواجه بين الخلفاء، والقادة، والإخوة، والآباء والأبناء، كلهم يتصارعون على كرسي واحد، وكأن العرش مسحور، لا يرضى إلا أن يُروى بالعنف والدم.
قرأت صفحات التاريخ كما كتبها المؤرخون المسلمون والأجانب، فوجدت أن تلك المأساة لم تهدأ يومًا. وخلال سنوات عملي سفيرًا لمصر في تركيا عام 1995، غصت في تاريخ الخلافة العثمانية، فهالني ما وجدت: إخوة يذبحون إخوتهم في الليل، آباء يقتلون أبناءهم عند الفجر، أبناء يتآمرون على آبائهم عند الغروب… كل ذلك من أجل لقب “الخليفة”، وكأن الدم هو العملة الوحيدة التي تُشترى بها السلطة.
واليوم، حين أنظر إلى أفغانستان التي احترقت، والعراق الذي انكسر، وليبيا التي تمزقت، واليمن الذي نزف حتى العظم، وسوريا التي بكت حتى جفت دموعها، ولبنان الذي يترنح على حافة الانهيار… أرى أن المشهد لم يتغير، فقط تغيرت الأسلحة، وارتدت الفتنة ثيابًا جديدة.
مصر اليوم واقفة على حافة هذا الجرف المظلم، تتربص بها التيارات والجماعات التي تتخفى وراء الدين أو الشعارات الوطنية، بينما أيدٍ خارجية تنفخ في جمر الفتنة، تنتظر لحظة السقوط. وإذا لم نتعلم من ذلك التاريخ، فإن المشهد قد يعاد على أرضنا، بأبطال جدد وضحايا من دمنا نحن.
التاريخ لا يمل من التكرار، والعرش لا يشبع من الدم، والفتنة إذا دخلت بيتًا لا تخرج إلا وقد أكلت كل شيء. لهذا، حماية مصر ليست خيارًا، بل واجبًا مقدسًا، لأنها إذا سقطت، فلن يكون هناك من يحمل المشعل في هذا الظلام العربي الممتد.



