ثقافة

من رحم الفوضى.. ميلاد الإدارة الذاتية في سوريا

Listen to this article

في قلب العاصفة السورية، وبين أنقاض الدولة المركزية المتهالكة وصخب الحروب الإقليمية والدولية، بزغ نموذج مختلف أخذ يتشكّل على تخوم الشمال والشرق. إنها تجربة “الإدارة الذاتية الديمقراطية”، التي لم تولد من فراغ، بل من حاجة الناس إلى الأمن والخبز والكرامة، فكانت كغرسة برية صمدت في وجه العواصف، وأثمرت رغم الحصار.

هذا ما يرصدُه كتاب جديد صدر في القاهرة بقلم ليلى موسى، ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية، حيث تضع خبرتها السياسية ورؤيتها الفكرية في قراءة معمقة لهذه التجربة، باعتبارها مشروعًا وطنيًا واجتماعيًا نشأ من قلب الأزمة السورية، وواصل البقاء رغم النزاعات الطاحنة.

الكتاب لا يكتفي بالتوثيق، بل يغوص في فلسفة “الأمة الديمقراطية” التي شكّلت العمود الفقري لهذه التجربة، المرتكزة على العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية وإدارة التنوع بعيدًا عن مركزية القرار. ويُظهر كيف تحوّل هذا النموذج من مجرد إدارة محلية إلى رؤية سياسية–فكرية بديلة، صاغت مسارًا جديدًا لنساء ورجال تلك المناطق، ومنحت الشباب والنساء دورًا قياديًا غير مسبوق.

وفي مقارنة جريئة مع نموذج الدولة المركزية في دمشق، يكشف الكتاب كيف استطاعت الإدارة الذاتية أن تفتح أبواب المشاركة أمام جميع المكونات، في حين أغلقتها السياسات الصلبة للدولة القديمة. هنا، لم تكن مشاركة المرأة واجهة رمزية، بل عمودًا فقريًا للتجربة؛ إذ جلست على رأس المجالس وقادت القوات، لتثبت أن التغيير الاجتماعي ممكن حتى في زمن الخراب.

ويؤكد الكتاب أن الإدارة الذاتية ليست مجرد إدارة مؤقتة لفراغ سياسي، بل مشروع حيّ له أبعاد إقليمية ودولية، قادر على إلهام تجارب أخرى في مجتمعات ممزقة تبحث عن صيغة تعايش جديدة.

إنه كتاب يفتح أبواب النقاش حول “سوريا الممكنة” بعد الحرب، ويدعو القارئ إلى التفكير في مستقبل تتعايش فيه الأعراق والطوائف على قاعدة العدالة والمشاركة، بدلًا من الصراع والإقصاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى