حامِلُ المِسْكِ وَنافِخُ الكِيرِ..؟!

شعر: أشرف أبو عريف
إِذَا الصَّدِيقُ صَفَا وَطَابَتْ نَفْسُهُ
نَشَرَ الْمَكَارِمَ فِي الْمَجَالِسِ عِطْرَانِ
تَلْقَاهُ بَشَّاشًا يُؤَانِسُ قَلْبَكَ
وَيَرُدُّ عَنْكَ جَهَالَةَ الشَّيْطَانِ
يُذَكِّرُكَ اللهَ إِنْ غَفَلْتَ، وَإِنْ بَكَى
قَلْبُكَ يُوَاسِيهِ بِقَوْلٍ حَسَّانِ
يَسْقِيكَ مِنْ نُورِ الرِّضَا أَنْسَامَهُ
وَيَذُودُ عَنْكَ غُبَارَةَ الأَحْزَانِ
فَإِذَا جَلَسْتَ إِلَيْهِ طِبْتَ كَأَنَّمَا
جَلَسْتَ فِي رَوْضِ الْجِنَانِ الْحَانِي
يَأْتِيكَ نُورًا لَا يُقَاسُ بِزَمَانِهِ
وَيُسْكِنُ الرُّوحَ فِي أَمْنٍ وَإِيمَانِ
كَالنَّجْمِ إِنْ غَابَ أَضَاءَتْ ذِكْرَاهُ
فِي الْقَلْبِ، تَبْقَى عَلَيْهِ الأَعْيُنُ الْحِسَانُ
يَرَى بِقَلْبٍ لَا بِعَيْنٍ مُدَنَّسَةٍ
وَيَحْمِلُ الْعُذْرَ حَتَّى لِلْعُصَاةِ جَنَانِ
يُصَاحِبُكَ لَا لِمَالٍ أَوْ لِمَصْلَحَةٍ
بَلْ لِوُدٍّ خَالِصٍ فِيهِ الرِّضَا سُكْنَانِ
يُحَدِّثُكَ فَيَخْرُجُ الْحَرْفُ مُسَكَّنًا
كَأَنَّهُ الْآيُ تَتْلُوهَا الشِّفَاهُ أَمَانِ
وَإِنْ دَعَاكَ لِخَيْرٍ كُنْتَ تَتَّبِعُهُ
كَأَنَّهُ الْمِصْبَاحُ فِي طُرُقِ الْحَيَاةِ حَنَانِ
أَمَّا الصَّدِيقُ السُّوءُ فَاحْذَرْ صُحْبَهُ
كَالنَّارِ تُحْرِقُ مَا لَهَا مِنْ شَانِ
يَتَظَاهَرُ بِالْحُبِّ وَيَلْدَغُ نَفْسَكَ
بِسُمِّ ثُعْبَانٍ فِي الدُّجَى الْخَفْيَانِ
يُذِيقُكَ مِنْ طَعْمِ اللِّسَانِ شَهْدًا
ثُمَّ يَزُوغُ مِنْكَ كَمَا تَزُوغُ فِئْرَانُ
يَنْثُرُ الشَّوْقَ فِي الْعُيُونِ رَاقِصًا
لَكِنَّهُ فِي الأَصْلِ أَشْوَاكُ أَحْزَانِ
يَتَظَاهَرُ بِدَوْرِ هَمْزَةِ وَصْلٍ
لَكِنَّهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ بِالْبُهْتَانِ
فَمَا عَلَى لِسَانِهِ كَمَا بِقَلْبِهِ
رُغْمَ ابْتِسَامَاتٍ كَذُوبِ الْجَانِ
وَفِي الشِّدَّةِ يَسْكُبُ الزَّيْتَ عَلَى النَّارِ
فَتَطْرَبُ رُوحُهُ كَأَنَّهُ الشَّيْطَانُ
لِسَانُهُ يَنْزِفُ بِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ
وَيَهْتِكُ الْعِرْضَ وَيَسْفِكُ الْإِيمَانِ
يُدَّعِي النُّصْحَ وَفِي نَصِيحَتِهِ
ذَمٌّ وَحَطٌّ بِالْمَفْعُولِ بِالْإِهَانِ
يَا صَاحِ، فَاخْتَرْ لِقَلْبِكَ أَيَّ رَاحِلَةٍ
أَتَرْكَبُ الْمِسْكَ أَمْ تَسْعَى إِلَى الْكِيرِ؟
هَذَا يُطَيِّبُ أَرْوَاحًا وَأَنْفَاسَهَا
وَذَاكَ يُحْرِقُ أَحْلَامًا بِتَسْعِيرِ
حَامِلُ الْمِسْكِ لَا تَخْشَى مَجَالِسَهُ
رَوْضُ الْمَحَبَّةِ فِي أَظْلَالِهِ نُورِي
وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِنْ تَجْلِسْ بِجَانِبِهِ
يَلْفَحْكَ الشَّرُّ مِنْ نَارٍ وَتَسْعِيرِ
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَزْدَادُ طِيبُهُ مَعَ الْعُمْرِ
لَا مَنْ يُفْنِيكَ فِي دُخَانٍ وَتَغْيِيرِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَجَالِسَ مِيزَانُهَا
كَالطِّيبِ وَالنَّارِ فِي وَزْنِ التَّفَاكِيرِ



