رئيس التحريرسلايدر

أمينُ “بيتِ الموتَى” وقرعُ أجراسِ تل أبيب: إرثُ الأبِ المتمردِ يطاردُ الابنَ الأمين

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

تَسَلَّمَ “فَهْمِي الِابْنُ” أَمَانَةَ جَامِعَةِ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا طَمَعًا فِي جَاهٍ، بَلْ قَدَرًا يَضَعُهُ فِي مُواجَهَةِ إِرْثِ أَبِيهِ المُرْتَحِلِ كِبْرِيَاءً؛ فَهَلْ يَقْرَعُ أَجْرَاسَ صَحْوَةٍ عَرَبِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، أَمْ أَنَّ تَلَّ أَبِيبَ سَتُنْكِئُ جِرَاحَ المَاضِي لِتَصْفَعَ حَاضِرًا عَرَبِيًّا يَئِنُّ مِنَ الْخِذْلَانِ؟

جيناتُ الرفضِ في زمنِ المساومة

التاريخ لا يُكرر نفسه فحسب، بل يُعيد إنتاج جراحاته بوجوهٍ مألوفة ليضع الضمير الإنساني أمام اختباراتٍ عسيرة. في مطلع شهر يوليو/تموز الجاري، حين تسلّم الدبلوماسي المخضرم نبيل فهمي (الأمين الوليد) مقاليد الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، لم يكن يتسلم منصباً بروتوكولياً بقدر ما كان يرث تركةً مثقلة بالانكسارات. لم يكن بحاجةٍ إلى هذا الكرسي البارد؛ فهو سليل المجد السياسي، وابن “إسماعيل فهمي” وزير الخارجية المصري الأسبق الذي هزَّ أركان السياسة الدولية عام 1977 عندما صدح بـ “لا” مدوية لهرولة التطبيع وكامب ديفيد، مقدماً استقالته فوراً للرئيس أنور السادات. واليوم، يبدو أن حكومة الاحتلال المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو وزمرته لم تنسَ تلك الصفعة التاريخية، فقررت تصفية الحسابات القديمة مع الابن على حساب أوجاع القضية الفلسطينية.

الصفعة الصهيونية وإرث كامب ديفيد

بمجرد توليه مهامه، وتأكيداً على مركزية القضية الفلسطينية، تقدم نبيل فهمي بطلب مشروع للسلطة الفلسطينية لزيارة الأراضي المحتلة. غير أن الرد الصهيوني جاء سريعاً وفجّاً بالرفض المطلق. لم يكن هذا الرفض مجرد إجراءٍ أمني، بل كان صفعةً سياسية انتقامية تهدف إلى إذلال الإرث الذي يمثله اسم “فهمي”.

لقد كان الأب إسماعيل فهمي يدرك بنظرة ثاقبة واستشرافية أن الاتفاقيات المنفردة لن تجلب سلاماً، بل ستكون معبراً للوهن الأمني والتبعية، ومهندساً لـ “تفتيت أواصر الشعوب العربية”. وما نعيشه اليوم من تشرذم، واقتتال داخلي، وابتزاز سياسي، واهتزاز للقيم الأخلاقية والمجتمعية، ليس إلا الحصاد المر لتلك البذور التي غُرست في كامب ديفيد وما تلاها من قطار هرولة أعمى.

صمتُ المطبعين وعقبةُ اللقاء الفاضح

المفارقة الصارخة والتجلي الأوضح لهذا العجز العربي تمثلا في السلوك السلبي للدول العربية المطبعة. يمتلك العرب أوراق ضغط حاسمة وأسلحة اقتصادية وسياسية كفيلة بإجبار الكيان الصهيوني وإذلال كبريائه، إلا أنهم آثروا “عضَّ الطرف” والصمت المطبق، وكأن السلطة الفلسطينية باتت مجرد دائرة إدارية تابعة لحكومة المستوطنين في تل أبيب.

وفي محاولةٍ لذر الرماد في العيون والتغطية على هذا الخذلان، لم يجد الأمين العام للجامعة العربية سبيلاً للالتقاء بالرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إلا في “عمان” عاصمة الأردن، وهي إحدى الدول التي تقيدها معاهدات السلام والتطبيع. هناك، في العاصمة الأردنية، صيغ بيان جامعة الدول العربية الصادر في 16 يوليو 2026، كاشفاً عن الهوة السحيقة بين بلاغة الكلمات ومأساوية الواقع.

البيان الرسمي: حبرٌ بارد على قلقٍ ساخن

رغم النبرة القوية التي حملها بيان الأمين العام حول “دعم صمود الشعب الفلسطيني” و”محاصرة الاحتلال دولياً”، فإن الأرقام والوقائع على الأرض تكشف عن مأساة حقيقية. يتحدث البيان عن التصدي لمخططات ضم الضفة الغربية وتمدد الاستيطان الإرهابي، ويطالب بدعم موازنة السلطة الفلسطينية التي تخنقها إسرائيل بمصادرة أموال الضرائب.

لكن، كيف يمكن لبياناتٍ إنشائية أن تدعم صموداً مالياً وشعباً يُباد ويُهجّر؟ كيف يُطالب البيان بالتركيز على الأجيال الجديدة وربط غزة بالدولة الفلسطينية المستقلة، في وقتٍ تقف فيه الجيوش العربية متفرجة على تدمير مقومات الحياة؟ إن الحديث عن “انتخابات تشريعية في نوفمبر القادم” في ظل احتلالٍ يستأصل البشر والشجر يبدو كمن يخطط لطلاء جدران منزل ينهار سَقْفُهُ، بينما تَهَدَّمَتْ بَالْأَسَاسِ عَتَبَتُهُ وَسُكْفُهُ.

خاتمة: فارسٌ يبحثُ عن جواد

إن نبيل فهمي، بما يملكه من إرث وطني ونزاهة دبلوماسية، يمثل طاقة دفع حقيقية يمكن استثمارها لإعادة الروح لـ “بيت العرب” المتهالك. لكن الدبلوماسية بلا أنياب هي استجداءٌ للسلام.

لذا، تتوجه هذه الصرخة إلى كل ذوي الهمم الشريفة وأحرار الأمة: ابذلوا الغالي والنفيس لإنقاذ هذه اللحظة، والتفوا حول مواقف الأمين العام وادفعوا باتجاه تفعيل أوراق القوة العربية الحقيقية. إن لم يتحرك الضمير العربي الجمعي الآن لكسر الحصار الصهيوني، فإننا سنصحو قريباً على استقالة مسببة ومدوية لنبيل فهمي؛ استقالة يكتب فيها بمرارةٍ تضاهي مرارة أبيه:

“أنا نعم الفارسُ.. ولكنكم تركتُموني بلا جواد!”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى