رئيس التحريرسلايدر
«الصرف فوراً أو الإغلاق التام».. لماذا لا تُشهر إيران ورقة مضيق هرمز بوجه واشنطن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهم لتحرير أموالها؟

رئيس التحرير يكتب
تتجاوز قضية الأصول الإيرانية المجمدة أبعاد النزاع المالي التقليدي، لتشكل إحدى أطول وأعقد معارك القرصنة المالية والجيو-سياسية في التاريخ الحديث. فمع امتداد أزمة الاحتجاز لأكثر من أربعة عقود، لم تعد الأرقام محصورة في التقديرات الأولية الشائعة، بل ترتفع وفق تقييم اقتصادي تدقيقي شامل إلى نحو 200 مليار دولار، إذا ما أضيفت الأصول العينية من عقارات واستثمارات، والفوائد المركبة التراكمية، وتكلفة التأخير والفرصة البديلة منذ عام 1979.
أمام هذا الاحتجاز المالي الممتد، يطرح الواقع السياسي تساؤلاً جوهرياً حول جدوى استمرار طهران في النمط التفاوضي المعتاد، بدلاً من الانتقال إلى معادلة ردع صريحة تربط بين استعادة هذه الحقوق السيادية والتحكم بأهم شريان مائي في العالم: مضيق هرمز.
معادلة “الردع البحري والمالي”: المبررات والمكاسب
تستند فكرة ربط الإفراج عن الأموال بحرية الملاحة البحرية إلى منطق سيادي يرى أن الأدوات القانونية والدبلوماسية الناعمة لم تعد كافية لفك الحظر عن ثروات الشعوب. وتتلخص مبررات هذا الطرح في الآتي:
-
فرض شرط سيادي متكافئ: إعطاء ملف استرداد الـ 200 مليار دولار أولوية مطلقة لا تقل أهمية عن الملفين النووي والصاروخي.
-
المقايضة بالممر المائي: يمر عبر مضيق هرمز نحو $20\%$ من إمدادات النفط والغاز العالمية. وبالتالي، فإن ربط عبور سفن وناقلات الدول المشاركة في التجميد بمدى التزامها بصرف المستحقات المالية يشكل ورقة ضغط فائقة التأثير قادرة على إرباك أسوق الطاقة الدولية.
-
المقاصة المالية والمعاملة بالمثل: التحفظ على مصالح وأصول تلك الدول المانعة للصرف – سواء داخل الأراضي الإيرانية أو بالتنسيق مع تكتلات اقتصادية صديقة مثل “بريكس” – لمقاصتها واستبدالها بالمستحقات المحتجزة.
-
البعد الإنساني والأخلاقي: تصنيف إجراءات التجميد والحظر المالي كـ “جرائم تجويع وحرمان من العلاج”، حيث تسبب منع تدفق العملة الصعبة في عرقلة استيراد الأدوية والاحتياجات الطبية والسلع الأساسية، مما يمنح طهران الغطاء الأخلاقي للرد بقرارات سيادية حازمة.
حسابات التردد والتحديات المعقدة
رغم قوة هذه المعادلة، إلا أن تحويلها إلى سياسة ميدانية يعترضه عدد من العقبات الاستراتيجية الحساسة:
-
خطر المواجهة العسكرية الشاملة: إن إغلاق المضيق أو استهداف السفن يُفسر غربياً كـ “تهديد مباشر لحرية الملاحة وإعلان حرب”، مما قد يمنح التحالفات الغربية الذريعة لتشكيل كتل عسكرية أو شن ضربات مباشرة.
-
الإضرار بالشراكات الدولية: لا تقتصر الحركة في مضيق هرمز على السفن الغربية؛ بل تعتمد عليه كبرى الدول المستوردة للطاقة في آسيا (مثل الصين والهند). وأي اضطراب مائي سيلحق أضراراً بالغة بهؤلاء الشركاء، مما قد يضعف الدعم السياسي داخل تكتلات مثل “بريكس” و”منظمة شانغهاي”.
-
تشابك القرارات وتوزع الأموال: تتوزع الأصول بين احتياطيات نفطية معلقة ودفعات تجارية وأصول خاضعة لقرارات قضائية وأممية مختلفة، مما يجعل أداة الضغط الموحدة غير مضمونة النتائج مع جميع الأطراف دفعة واحدة.
يبقى الربط بين ملف الـ 200 مليار دولار المجمدة وحرية الملاحة في مضيق هرمز أداة ردع عالية المخاطر. وفي حين توفر هذه الورقة لطهران فرصة لإرباك خصومها وإرغامهم على إعادة الحقوق المالية والسيادية، إلا أن كلفة تفعيلها الميداني يجعل القيادة الإيرانية تفضل الاحتفاظ بها كعنصر ضغط وتهديد مضاد بدلاً من تحويلها إلى مواجهة كبرى ومفتوحة.



