
د. داوود زارين بور يكتب
المستشار الثقافى لسفارة إيران _ مصر
مئةٌمِئَةٌ وَثَمانِيَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا انْقَضَتْ، غَيْرَ أَنَّ الزَّمانَ فِي أَفْئِدَةِ الأُمَّهاتِ لَا يَمْضِي.
كُلَّما ضاعَفَ البَيْتُ شَذا الأُرْزِ المَطْهُوِّ، تَجَمَّدَتْ يَدَاها فَوْقَ القَدْرِ؛ تَتَطَلَّعُ فِي صُعُودِ البُخارِ الأَبْيَضِ الشَّفِيفِ، كَأَنَّما تَشُقُّ أَسْتارَهُ لِتَسْتَشِفَّ وَجْهَ طِفْلٍ صَغِيرٍ لَمْ يَزَلْ يَتَسَنَّمُ مَقْعَدَهُ عِنْدَ المائِدَةِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ المَنْسِيَّةِ، كَانَ يَلْتَهِمُ طَعامَهُ بِنَهَمٍ دَافِئٍ. تَبَسَّمَتْ أُمُّهُ وَنَاغَتْهُ:
«رُوَيْدَكَ يا بُنَيَّ.. لَنْ يَغْتَصِبَ أَحَدٌ قُوتَكَ».
رَفَعَ عَيْنَيْهِ، وَتَمْتَمَ بِحُنُوٍّ:
«أُمَّاه..»
«نَعَمْ يا شِغافَ الرُّوحِ؟»
تَرَيَّثَ لَحْظَةً، ثُمَّ هَمَسَ: «طَعامُ اللَّيْلَةِ ذُو شَأْنٍ غَرِيبٍ.. رائِحَتُهُ.. كَأَنَّها قَادِمَةٌ مِنَ الجَنَّةِ».
ضَحِكَتِ الأُمُّ يَوْمَئِذٍ مِلْءَ جَفْنَيْها. أَمَّا اليَوْمَ، وَبَعْدَ كَرَّاتِ تِلْكَ الأَيَّامِ الطِّوالِ، فَمَا عَادَتِ الِابْتِسامَةُ تَجِدُ طَرِيقًا إِلَى شَفَتَيْها كُلَّما طَافَتْ بِها هَاتِفَةُ ذَاكَ النِّداءِ. فَثَمَّ كَلِماتٌ لَا نُدْرِكُ جَسامَةَ ثِقْلِها إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ أَصْحابُها فِي غَياهِبِ الأَبَدِ.
كَانَ بَعْدُ فِي العَاشِرَةِ، يَرْتادُ الصَّفَّ الثَّالِثَ. عُمْرٌ تَتَرامَى فِيهِ الآفَاقُ، وَتَتَّسِعُ المَدى، وَتَغْدُو فِيهِ الأَحْلامُ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تُحَدَّ أَوْ تُحْسَبَ. كَانَ صَبِيًّا يَعْشَقُ الحَيَاةَ، تُزْهِرُ ضَحَكاتُهُ، وَيَحْسَبُ أَنَّ الدَّهْرَ طَوِيلٌ فِي انْتِظارِهِ. كَانَتْ أُمُّهُ تَرْقُبُ نَماءَهُ تَحْتَ عَيْنَيْها؛ تَبْصُرُهُ شَابًّا غَضًّا، ثُمَّ رَجُلًا يُشارُ إِلَيْهِ، وَتَتَرَقَّبُ أَمَاسِيَ يَئُوبُ فِيهَا إِلَى الدَّارِ فَيُنادِيها: «أُمَّاه..». الأُمَّهاتُ يَعِشْنَ مُسْتَقْبَلَ الأَبْناءِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ الأَبْناءُ نَحْوَهُ.. وَكَانَتْ قَدْ شَادَتْ فِي صَدْرِها قَصْرًا مَشِيدًا لِمُسْتَقْبَلِهِ، دُونَ أَنْ تَدْرِيَ أَنَّ عِمَادَهُ سَيَتَدَاعَى عِنْدَ التُّخُومِ العَاشِرَةِ.
كَانَ لِلطِّفْلِ سِرٌّ خَفِيٌّ مَعَ اللهِ؛ يَبْتَهِلُ، يَرْتَلُ القُرْآنَ، وَيُناجِي السَّمَاءَ كَأَنَّ البَارِئَ مِنْهُ قَرِيبٌ جِدًّا. كَانَ يُداعِبُ رِفَاقَهُ قَائِلًا:
«أَنا مِيكائِيلُ.. أَلا تَدْرُونَ؟ مِيكائِيلُ مَلَكٌ مِنْ مَلائِكَةِ السَّماءِ!»
ثُمَّ يُتْبِعُها بِابْتِسامَةٍ يَنْبَثِقُ مِنْها يَقِينُ طِفْلٍ لَا يَعْرِفُ المُحالَ: «إِنْ كَانَتْ لَكُمْ أُمْنِيَةٌ، فَأَسِرُّوها إِلَيَّ.. وَسَأَرْجُو اللهَ أَنْ يُحَقِّقَها لَكُمْ».
كَانَ فِي عُمْرٍ تَبْدُو فِيهِ السَّماءُ دَانِيَةَ القُطُوفِ، وَفِي سِنٍّ يَسْتَسِيغُ فِيهَا الطِّفْلُ أَنْ يَحْسَبَ نَفْسَهُ مَلَكًا، فَيُصَدِّقُهُ قَلْبُهُ قَبْلَ أَنْ تَنالَهُ سُخْرِيَةُ الآخَرِينَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، رَسَمَ مَدْرَسَتَهُ؛ شَيَّدَ الجُدْرانَ، وَالنَّوافِذَ، وَالعَلَمَ المُرَفْرِفَ، ثُمَّ جَعَلَ فِي كَبِدِ السَّماءِ ثَلاثَةَ صَوارِيخَ. طَالَ طِعانُ الأُمِّ بِنَظَراتِها لِلْتَّلَوُّثِ المُرْتَسِمِ عَلَى الوَرَقِ.. اعْتَراها وَجَمٌ غَامِضٌ، غَيْرَ أَنَّها عَلَّلَتْ نَفْسَها: «طِفْلٌ يَلْهُو.. وَالأَطْفالُ يَرْقُمُونَ مَا لَا يَفْقَهُهُ الكِبَارُ».
طَوَتِ الرَّسْمَةَ جانِبًا؛ فَالغَدُ يَوْمٌ دِرَاسِيٌّ، وَسَيَعُودُ صَغِيرُها عِنْدَ الظَّهِيرَةِ جائِعًا، لِيَبُثَّ لَها شَجْوَ يَوْمِهِ، وَيَمْلَأَ أَرْجَاءَ الدَّارِ صَخَبًا وَبَهْجَةً. هَكَذَا صَوَّرَ لَها المُنَى.
فِي الصَّبَاحِ، ارْتَدَى نَظَّارَتَهُ، وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْها، يُعَدِّلُ وِثَاقَها كَيْ لَا تَسْقُطَ. نَظَرَ إِلَيْها وَقَالَ:
«أُمَّاه.. التَقِطِي لِي صُورَةً».
كَانَتْ لَقْطَةً عَادِيَّةً فِي طَيَّاتِ الزَّمَنِ؛ طِفْلٌ عَلَى أُهْبَةِ المَسَارِ إِلَى مَدْرَسَتِهِ، يَرْجُو أُمَّهُ أَنْ تُخَلِّدَ حُضُورَهُ. رَفَعَتِ الهَاتِفَ، ابْتَسَمَ «مِيكائِيلُ»، وَالتُقِطَتِ الصُّورَةُ. نَشَطَ بَعْدَها يُمْسِكُ زُجَاجَةَ مَائِهِ الصَّغِيرَةَ المُنَقَّشَةَ بِرَسْمَةِ قُنْفُذٍ، وَتَقَلَّدَ حَقِيبَتَهُ عَلَى كَتِفِهِ. شَيَّعَتْهُ حَتَّى العَتَبَةِ، التَفَتَ وَنَوَشَ بِيَدِهِ مُوَدِّعًا، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ بِمِثْلِها، ثُمَّ غَابَ فِي الطَّرِيقِ.
لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي ارْتَضَاها بِنَفْسِهِ سَتَكُونُ آخِرَ مَلامِحِهِ المُوَثَّقَةِ، وَلَا أَنَّ تِلْكَ الكَفَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي أَوْمَأَتْ لَها سَتَكُونُ آخِرَ شَيْءٍ تَبْصُرُهُ مِنْهُ. كَانَتْ تَرَى فَقَطْ طِفْلًا يَمْشِي إِلَى المَدْرَسَةِ.. طِفْلًا سَيَعُودُ بَعْدَ سَاعَاتٍ.
ثُمَّ كَانَ الصَّدْعُ.
انْشَقَّ صَبَاحُ المَدِينَةِ عَلَى انْفِجارٍ مُدَوٍّ. حَشْرَجَتِ الأَقْدامُ، وَارْتَفَعَتِ العَوِيلَاتُ، وَتَطَايَرَتْ أَسْماءُ الأَطْفَالِ فِي الأَزِقَّةِ، حَتَّى وَصَلَتْها الجُمْلَةُ الَّتِي خَلَعَتْ قَلْبَها مِنْ نِصَابِهِ:
«لَقَدْ قَصَفُوا المَدْرَسَةَ..»
رَكَضَتْ بِلَا شُعُورٍ. وَحِينَ وَافَتِ المَكانَ، لَمْ تَجِدِ المَدْرَسَةَ الَّتِي دَخَلَها ابْنُها مُنْذُ هُنَيْهاتٍ. الجُدْرانُ دَكًّا، وَالغُبارُ يَلْفَحُ السَّماءَ. أُمَّهاتٌ يَصْرُخْنَ بِأَسْماءِ صِغَارِهِنَّ، وَآباءٌ يَحْفِرُونَ فِي الرُّكامِ بِأَظافِرِهِمْ. نَادَتِ اسْمَ طِفْلِها.. مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ الصَّدَى عَادَ إِلَيْها أَبْكَمَ.
هَرَعَتْ إِلَى المُسْتَشْفَى، تَطُوفُ بَيْنَ الأَسِرَّةِ، تَسْتَقْرِئُ الوُجُوهَ، وَتَسْأَلُ عَنْ بَراءَتِهِ المَفْقُودَةِ. وَكُلَّما قِيلَ لَها: «لَيْسَ هُنا»، اشْتَعَلَ فِي صَدْرِها أَمَلٌ وَاهِنٌ.. لَعَلَّهُ فِي مَكانٍ آخَرَ، لَعَلَّهُ أُصِيبَ فَحَسْبُ، لَعَلَّ..! الأُمَّهاتُ يَتَشَبَّثْنَ بِـ «لَعَلَّ»، حَتَّى يَقْتُلَ الوَاقِعُ كُلَّ «لَعَلَّ».
مِئَةٌ وَثَمانِيَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا مَضَتْ.. وَاليَوْمَ جَلا الدَّهْرُ عَنْ اسْمِ الطِّفْلِ: «مِيكائِيل مِيردُورقِي». عَشْرُ سَنَواتٍ، تِلْمِيذُ الصَّفِّ الثَّالِثِ فِي مَدْرَسَةِ «شَجَرَة طَيِّبَة» بِـ «مِيناب». واحِدٌ مِنْ بَيْنِ مِئَةٍ وَثَمانِيَةٍ وَسِتِّينَ إِنْسانًا انْطَفَأَتْ أَرْواحُهُمْ فِي ذَلِكَ الحَادِثِ.
غَيْرَ أَنَّ الأَرْقَامَ الصَّمَّاءَ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ «مِيكائِيل».
لَا تَعْرِفُ نَظَّارَتَهُ الظَّرِيفَةَ، وَلَا زُجَاجَةَ المَاءِ المُزَيَّنَةَ بِالقُنْفُذِ، وَلَا ضَحِكَتَهُ الَّتِي تَمْلَأُ الأَرْكَنَ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِرِفَاقِهِ: «أَنا مِيكائِيلُ.. مَلَكُ اللهِ»، وَلَا أَنَّ أُمَّهُ تَحْتَفِظُ فِي هَاتِفِها بِآخِرِ شُعاعٍ مِنْ وَجْهِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ بِدَقائِقَ، وَأَنَّهُ هُوَ مَنْ رَجَاها أَنْ تَلْتَقِطَها.
الأَرْقَامُ تُحْصِي الَّذِينَ رَحَلُوا، لَكِنَّها لَا تَقِيسُ حَجْمَ الأَحْلامِ، وَلَا نَبْضَ الضَّحَكاتِ، وَلَا بَحَّةَ أُمٍّ تُنَادِي فِي الفَراغِ، وَلَا المَقَاعِدَ الَّتِي أَمْسَتْ ثَكْلَى فِي البُيُوتِ. خَلْفَ كُلِّ رَقَمٍ جُرْحٌ بَشَرِيٌّ، وَخَلْفَ كُلِّ جُرْحٍ حِكَايَةٌ، وَخَلْفَ كُلِّ حِكَايَةٍ أُمٌّ يَقْتُلُها الانْتِظَارُ.
لَمْ يُؤْهَلْ «مِيكائِيلُ» كَيْ يَكْبُرَ.. لَمْ يُمْهَلْ لِيُخْطِئَ أَوْ يَضْحَكَ أَوْ يَتَعَلَّمَ، أَوْ يَعُودَ يَوْمًا مُتَأَخِّرًا فَتَعْتَبَ عَلَيْهِ أُمُّهُ. لَمْ يُؤْهَلْ لِيَبْنِيَ أَحْلامَهُ الصَّغِيرَةَ. كَانَ فَقَطْ طِفْلًا فِي العَاشِرَةِ.. وَكَانَ ذَلِكَ وَحْدَهُ كَافِيًا؛ كَافِيًا لِتَكُونَ الفَجِيعَةُ بِحَجْمِ الكَوْنِ، وَلِتَبْقَى صُورَتُهُ الأَخِيرَةُ مَحْبُوسَةً فِي الشَّاشَةِ، كَأَنَّما الزَّمانُ قَدْ سُمِّرَ عِنْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
وَبَعْدَ مِئَةٍ وَثَمانِيَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا.. مَا زَالَتْ أُمُّهُ، كُلَّما عَبَقَتْ رائِحَةُ الأُرْزِ فِي زَوَايَا الدَّارِ، تَسْقُطُ يَدَاهَا.
تُغْمِضُ عَيْنَيْها، فَتُبْصِرُهُ مِنْ جَدِيدٍ..
جَالِسًا إِلَى المَائِدَةِ،
طِفْلًا،
حَيًّا،
يَتَضَاحَكُ،
ثُمَّ يَثْقُبُ الصَّمْتَ صَوْتُهُ العَذْبُ:
«أُمَّاه.. طَعامُ اللَّيْلَةِ رائِحَتُهُ كَالجَنَّةِ».
وَلَا تُجِيبُ..
فَبَعْضُ الأُمَّهاتِ، حِينَ يَفْقِدْنَ المَلَاكَ، لَا يَبْقَى لَدَيْهِنَّ مَا يُقَالُ.
يَبْقَى فَقَطْ..
صُورَةٌ فِي هَاتِفٍ،
وَمَقْعَدٌ يَنْتَخِبُ الفَراغَ،
وَطِفْلٌ كَانَ مَلَاكًا.. وَلَمْ يُؤْهَلْ كَيْ يَكْبُرَ.




