رأىسلايدر

أيادٍ تمتدُّ… وأوطانٌ تُزهر

Listen to this article

بقلم: أحمد عادل أبو مهدى

إنَّ العمل التطوعي ليس ظاهرةً حديثة العهد، بل هو قيمةٌ إنسانيةٌ راسخةٌ ضاربةٌ بجذورها في أعماق التاريخ. وقد رسَّخ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى النبيل في نفوس أصحابه، فكان خير قدوةٍ في البذل والعطاء؛ إذ شاركهم في بناء المسجد، يحمل الحجارة بيديه الشريفتين، كما شاركهم في حفر الخندق، ذلك العمل الجماعي الذي كان من أهم أسباب النصر في غزوة الخندق. ومن هنا أصبح العمل التطوعي سُنَّةً حضاريةً ينبغي ألَّا نهجرها، لما له من أثرٍ عظيمٍ في بناء الأوطان ونهضة الأمم وازدهار المجتمعات.

فبالعطاء الطوعي تُشَيَّد جسور المحبة بين الناس، وتتوطد أواصر التآلف والتعاون، وتُغرس قيم المسؤولية والانتماء. وقد حثَّ الله تعالى عباده على فعل الخير والمبادرة إليه، فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.

وفي عصرنا الحاضر، نشاهد نماذج مشرقة من الشباب الذين آمنوا بأنَّ أوطانهم تستحق منهم البذل والعمل، فرفعوا شعار: “نحن أولى بخدمة بلادنا والنهوض بها”. ورغم ما يواجهونه من تحدياتٍ وعقبات، وفي مقدمتها السلبية ومحاولات التقليل من جهودهم أو التشكيك في أعمالهم، فإنهم يواصلون مسيرتهم بإصرارٍ وعزيمة. فكم من أناسٍ لا يقدِّمون لمجتمعاتهم سوى الإحباط، بينما يقف آخرون داعمين لكل مبادرة خير، مؤمنين بأن التغيير يبدأ بخطوة.

ومن النماذج المضيئة التي تستحق الإشادة ما شهدته عزبة التل التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، حيث اجتمع عددٌ من أبناء القرية حول فكرة إنشاء مشروع للصرف الصحي بالجهود الذاتية. وبفضل تضافر الجهود وإصرار الأهالي، تحولت الفكرة إلى واقعٍ ملموسٍ خدم الجميع ورفع من مستوى المعيشة.

ولم تتوقف مسيرة العطاء عند هذا الحد، بل بادر شباب آخرون إلى تنظيم إفطارٍ جماعي في شهر رمضان المبارك، سعيًا إلى تعزيز روح المحبة والتسامح بين أبناء القرية بعد أن كثرت الخلافات والنزاعات. وقد حققت المبادرة نجاحًا كبيرًا، وأسهمت في إعادة دفء العلاقات الاجتماعية بين الأهالي.

ومع قدوم فصل الصيف وانتشار البعوض في أنحاء القرية، واجه الأهالي تحديًا جديدًا. وبعد محاولاتٍ متكررة للحصول على جهاز رش من الوحدة المحلية دون جدوى، قرر أبناء القرية الاعتماد على أنفسهم، فقاموا بشراء جهاز خاص لمكافحة البعوض، لتصبح عزبة التل من أوائل القرى في المنطقة التي تمتلك هذه الإمكانات بجهود أبنائها.

وهكذا تحولت القرية إلى نموذجٍ يُحتذى به في الوحدة والتماسك والتكافل الاجتماعي، وقدمت درسًا عمليًا في أنَّ العمل التطوعي ليس مجرد شعاراتٍ تُرفع، بل إرادةٌ صادقةٌ تصنع الإنجازات وتحقق ما يظنه البعض مستحيلًا. فالكلمة الطيبة، والمساهمة البسيطة، والجهد المخلص، كلها لبناتٌ تبني مجتمعًا أقوى وأكثر ازدهارًا.

وختامًا، فإن الإنسان قد يعود من عمله اليومي مثقلًا بالتعب والإرهاق، أما من يقضي جزءًا من وقته في خدمة الناس وقضاء حوائجهم، فإنه يجد في العطاء راحةً نفسيةً لا تُقدَّر بثمن. فمهما بذل من جهد، يبقى قلبه مطمئنًا وروحه راضية، لأنه مارس عبادةً عظيمةً دعت إليها الأديان السماوية كافة، وجعلت من خدمة الإنسان للإنسان أسمى صور الخير وأبقى آثار العطاء.

فطوبى لمن جعل من حياته أثرًا، ومن وقته بذلًا، ومن عمله التطوعي رسالةً تضيء دروب الآخرين، وتزرع في الأرض بذور الأمل والنماء.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى