ثقافةسلايدر

شاهد | حين انحنت البونسيانا العجوز.. احتضنها محافظ القاهرة لتزهر مرتين

Listen to this article

أشرف أبو عريف

في لحظة خافقة من لحظات العمر، مالت شجرة «بونسيانا» عتيقة بمنطقة مصر الجديدة، كأنما أرادت أن تتكئ على جدار عقار مجاور وتستريح من ثقل السنين. لم تكن حادثة السقوط تلك نهاية لقصتها، بل كانت بداية لـ ملحمة إنسانية وفنية امتدت على مدار ست ساعات متواصلة من النبض والعمل الدؤوب، لإعادة الحياة إلى أوراقها الشاحبة وجذورها المجهدة.
بين حذر القطع وأمل الغرس، تضافرت الجهود الرسمية والفنية بقيادة الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة؛ حيث تحولت أجهزة الدولة ومعداتها الحديثة إلى أيادٍ حانية تطوّق الشجرة المعمرة. أُعدّ لها مأوى جديد في موقع ملاصق، حُفر بحرص ليحتضن الجذور دون أن يمس أسرارها الممتدة في أرض العاصمة.

 

قراءة فنية وعلمية لعملية الإنقاذ

وعلى الصعيد الفني، شَهِدت عملية النقل استخدام تقنيات ميكانيكية متخصصة، وفي مقدمتها آلات نقل الأشجار الحديثة (Tree Transplanters) المزودة بشفرات هيدروليكية اقتلعت المجموع الجذري بكتلته الترابية (Root Ball) دفعة واحدة، مما أسهم في حماية الجذور الرئيسية من التلف.
ورغم الحذر الفني، فإن تعرض الجذور جزئياً للهواء أثناء النقل يظل تحدياً نباتياً يتطلب تدخلاً زراعياً سريعاً؛ حيث يوضح الخبراء أن قصر زمن العملية خفّف من حدة تجفاف الشعيرات الجذرية الدقيقة. ولكي تكتمل رحلة التعافي وتتجاوز الشجرة «صدمة النقل» (Transplant Shock)، تشمل خطة الرعاية اللاحقة غمر التربة بالماء لإزالة الجيوب الهوائية حول الجذور، وإجراء تقليم توازني للمجموع الخضري لتقليل عملية النتح (التبخر)، إلى جانب إضافة منشطات الجذور والمخصبات الغنية بالفسفور وأحماض الهيوميك لتحفيز نمو شعيرات جذريّة جديدة وتثبيتها بدعامات قوية.

صون الذاكرة الخضراء

لم تكن العملية مجرد تحريك لكتلة من الخشب والأوراق، بل كانت احتفاءً بجمال لا يُفرّط فيه، وترسيخاً لنهج الدولة في صون الرقعة الخضراء وحماية الشجر المعمّر الذي يشهد على تاريخ الأحياء وذاكرة ناسها، اتساقاً مع المبادرات الرئاسية لتخضير العاصمة وتحسين البيئة الحضرية.
وبدقة متناهية، رُفعت الشجرة ونُقلت لتهبط بسلام في مضجعها الجديد، مفسحة المجال لنسيم مصر الجديدة كي يداعب أغصانها من جديد، وتظل شاهدة على أن الجذور الطيبة لا تموت.. بل تُغرس لتزهر مرتين.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى