1920 = 1995… المعادلة المستحيلة التي أقرّها قانون الإسكان 2025.. ؟!

رئيس التحرير يكتب
في مشهدٍ يُجسّد المفارقة التاريخية الأكثر ظلمًا، أقرّ مجلس النواب في أغسطس 2025 تعديلات قانون الإسكان التي ساوت بين مستأجر شقة عام 1920، الذي استأجرها بجنيهات معدودة لم يدفع فيها سوى الفُتات، وبين مستأجر شقة عام 1995 الذي دفع مقدّمًا يعادل نصف ثمن الشقة تقريبًا، كالتزام لعشرات السنوات المقبلة.
بهذا القرار، تحوّل القانون إلى معادلة مستحيلة تُنكر حقائق الزمن وتكلفته، وتضع جيل العشرينات من القرن الماضي على قدم المساواة مع جيل التسعينات، وكأن تغيّر العقود والأسعار وتكاليف البناء لم يكن له وجود.
المحطات التشريعية لقانون الإيجار
- قانون 1920: أول تشريع يقيد الإيجار استجابة لظروف الحرب العالمية الأولى.
- قانون 1921: وسّع نطاق الحماية ليشمل جميع الأماكن.
- قانون 1947: فرض قيودًا على الإخلاء وحدودًا للأجرة مع بعض الاستثناءات.
- قانون 1969: صدر في سياق اجتماعي حساس، ومد الحماية لتشمل أقارب المستأجر.
- قانون 1977: ألغى ما قبله، وأدخل لجان تحديد الأجرة.
- قانون 1981: المرجع الأساسي لعقود الإيجار القديمة.
- قانون 1996: منح الملاك حرية التعاقد، لكن دون أثر رجعي.
الإيجار في العشرينات: حماية اجتماعية بأبسط التكاليف
كان المستأجر في عشرينات القرن الماضي يدفع جنيهات معدودة، وفي أحيانٍ أخرى أقل من سعر طبق فول شهريًا، بينما يحصل على وحدة سكنية كاملة التشطيب، مع حق البقاء مدى الحياة، وتوريث الامتياز إلى الأبناء والأحفاد.
المعادلة هنا كانت واضحة: حماية اجتماعية قصوى مقابل تكلفة لا تكاد تُذكر.
من الأربعينات إلى السبعينات: تضييق الخناق على الملاك
مع قوانين 1947 و1969 و1977، تم تثبيت الإيجارات بشكل شبه كامل، ومنع المالك من استعادة وحدته إلا في أضيق الظروف.
هكذا تحوّلت العلاقة الإيجارية إلى قيد دائم على المالك، بينما استمر المستأجر وأسرته في التمتع بحق السكن مدى الحياة بأقل التكاليف، حتى لو تغيرت ظروف الزمان.
التسعينات: نصف ثمن الشقة مقدمًا
مع قانون 1981 ثم قانون 1996، دخلت مصر مرحلة جديدة.
فالمستأجر في التسعينات لم يحصل على شقة كاملة التشطيب، بل كثيرًا ما كانت تُسلم له بلا مطبخ أو حمام مجهزين، وباقي الشقة نصف تشطيب.
ومع ذلك، كان عليه أن يدفع مقدمًا يعادل 50٪ من قيمة الشقة، إضافة إلى الإيجار الشهري، وهو ما جعله شريكًا فعليًا في قيمة العقار، لا مجرد مستفيد.
المفارقة الظالمة في تعديلات 2025
رغم هذا التاريخ الطويل والفوارق الشاسعة، جاء تعديل يوليو 2025 ليضع مستأجر 1995 = مستأجر 1920.
فكلاهما اليوم يُعامل بالقانون نفسه، وكأن من دفع آلاف الجنيهات مقدمًا لم يفعل شيئًا يُذكر، وكأن تكلفة البناء والتشطيب في التسعينات لا تختلف عن العشرينات.
إنها مفارقة قانونية ظالمة، تُساوي بين من استأجر بجنيهات معدودة قبل قرن كامل وبين من دفع نصف قيمة العقار في التسعينات، في وقتٍ كانت الأسعار قد تضاعفت عشرات المرات.
اقتصاد خانق وتوقيت مريب
الأخطر أن هذه التعديلات تأتي وسط ظروف اقتصادية قاتلة:
- تعويم الجنيه المصري للمرة الرابعة في أقل من عشر سنوات، ليصل الدولار إلى نحو 48–50 جنيهاً في منتصف 2025.
- الديون الداخلية والخارجية بلغت مستويات غير مسبوقة؛ الدين الخارجي وحده وصل إلى 156.7 مليار دولار في الربع الأول من 2025، بينما تجاوز الدين العام حاجز 90٪ من الناتج المحلي.
- من يوليو إلى ديسمبر 2024، دفعت مصر 21.3 مليار دولار لخدمة ديونها الخارجية، أكثر من نصفها فوائد.
- التضخم ينهش دخول المصريين: في يوليو 2025 وصل إلى 13.9٪، مع توقعات بأن يتجاوز 20٪ خلال العام، وسط أسعار وصفها البعض بأنها شبه إبادة جماعية للقدرة الشرائية.
وهنا يثور السؤال: لماذا هذا التوقيت بالذات؟
هل هو محض صدفة تشريعية، أم أن هناك من يتربص بمصر والمصريين عبر قرارات تزيد الضغط على المواطن بدلًا من رفعه؟
لماذا لم يُطرح الاستفتاء؟
كان من الأفضل أن يطرح مجلس النواب عدة مقترحات على الشعب للاستفتاء، خاصة أن شريحة المستأجرين تمثل أغلبية الشعب المصري.
فذلك كان كفيلًا بصياغة قانون يحقق عدالة انتقالية بين المالك والمستأجر وفقًا للبعد الزمني، بدلاً من فرض تسوية لم تُراعِ اختلاف الأجيال ولا التحولات الاقتصادية.
ويبقى السؤال
- هل يظل المالك مقيدًا بحقبة تاريخية لا تنتهي؟
- وهل يُعقل أن يستفيد المستأجر إلى الأبد بينما تتآكل قيمة العقار والمقدم المدفوع؟
- أم أن مصر بحاجة إلى قانون عادل ومتوازن يُعيد الاعتبار للمالك، ويحفظ في الوقت نفسه حق المستأجر في سكن كريم، لكن دون ظلم أو مفارقات زمنية تُحوّل العدالة إلى سراب؟
حفظ الله مصر وشعبها..



