سلايدرسياسة

تراجع نفوذ النسر الأمريكي أمام التنين الصيني: قراءة في مؤشرات الرأي العام

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

لم تعُد معادلة النفوذ الدولي تُقاس بحجم الأساطيل البحرية أو الموازنات العسكرية المباشرة فحسب، بل أصبحت القوة الناعمة ومدى ثقة الشعوب في النموذج السياسي والاقتصادي للدول هي الفاصل الحقيقي في تشكيل ملامح العالم الجديد. وفي هذا السياق، يمثل التقرير الأخير الصادر عن مركز «بيو» للأبحاث لعام 2026 محطة مفصلية تُعلن بوضوح أن خريطة الانطباعات الدولية قد أعادت رسم نفسها، وأن الصورة الذهنية التي سادت لعقود حول الهيمنة الأمريكية تراجعت أمام صعود هادئ ومستمر للنفوذ الصيني.

تحول المزاج العالمي: من الاستثناء إلى الواقع الملموس

لأول مرة في التاريخ الحديث للرأي العام الدولي، تُظهر الاستطلاعات الشاملة التي شملت عشرات الدول تحولاً ملموساً في تفضيل الشعوب؛ حيث باتت أغلبية العينات في 36 دولة مستطلعة تنظر إلى الصين بإيجابية أكبر مقارنة بالولايات المتحدة.
هذا الانقلاب لم يحدث بمعزل عن تراجع صورة النموذج الأمريكي نفسه؛ فالأمر لا يتعلق فقط بالصعود الاقتصادي والدبلوماسي لبكين، بل يرتبط بنفس القدر بتراجع القبول الدولي للسياسات الأمريكية الراهنة. وحتى في دول الجوار المباشر لواشنطن — ككندا (44% لصالح الصين مقابل 33% للولايات المتحدة) والمكسيك — أظهرت النتائج تفوقاً لافتاً في نظرة الشعوب الإيجابية نحو الصين، مما يعني أن الرقعة الجغرافية للانتقاد لم تعد محصورة في مناطق التوتر التاريخية.

تآكل الرصيد الأخلاقي ومسألة الحريات

كان التفوق الأخلاقي المتعلق بـ «احترام الحريات الشخصية» هو الحصن الأخير الذي تستند إليه واشنطن في خطابها الدولي. غير أن الاستطلاع الأخير يُظهر تآكلاً حاداً في هذه الصورة الذهنية؛ إذ انخفضت نسبة الشعوب التي تعتقد أن الحكومة الأمريكية تحترم الحريات الداخلية لشعبها بمعدلات قياسية في دول أوروبية وحليفة رئيسية.
ففي السويد، على سبيل المثال، هبطت النسبة من 61% عام 2021 إلى 27% عام 2026، مع تراجعات حادة تجاوزت 25 نقطة مئوية في دول مثل كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وكوريا الجنوبية. هذا التراجع الحاد أدّى إلى تضييق الفجوة بين القوتين العظميين في هذا الملف، ليصبح المشهد الدولي ينظر بتشكك متزايد نحو مدى التزام كلا النظامين بالمعايير الفردية والحريات، مما أفقد واشنطن إحدى أبرز أدوات شرعيتها الأخلاقية في الخارج.

الجنوب العالمي بين التدخل والمواطنة الاقتصادية

في 17 دولة من دول الدخل المتوسط — التي تُشكل مسرح التنافس الحقيقي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط — تتجلى الرؤية بوضوح أكبر:
  • صورة التدخل: تنظر غالبية ساحقة من الشعوب (بنسبة وسيطة تبغ 75%) إلى السياسة الخارجية الأمريكية باعتبارها قائمة على «التدخل في الشؤون الداخلية» للدول الأخرى، مقارنة بـ 45% فقط يشاركون الرأي نفسه تجاه الصين.
  • صورة الشراكة: في المقابل، تُصوَّر الصين على أنها شريك اقتصادي أكثر موثوقية ويُسهم بشكل أكبر في السلام والاستقرار العالمي. ففي جنوب إفريقيا مثلاً، يرى 72% أن الصين شريك موثوق مقارنة بـ 46% للولايات المتحدة.
هذا التباين يوضح أن الشراكات التنموية والمشروعات البنيوية التي تقودها بكين تُترجم اليوم إلى رصيد سياسي وشعبي يتجاوز الخطابات النظرية.

إعادة تشكيل النظام الدولي

إن ما نراه اليوم ليس مجرد تغير في أرقام استطلاعات الرأي، بل هو انعكاس لـ عالم متعدد الأقطاب يتشكل واقعياً؛ حيث لم تعد الشعوب تقبل بالتأطير الأيديولوجي الأوحد. وفي حين تحتفظ واشنطن بحلفاء تقليديين في نطاق جيوسياسي محدد يُركز على الترتيبات الأمنية (مثل الهند واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية وإسرائيل)، فإن بقية العالم يتجه نحو موازنة مصالحه والبحث عن شركاء أكثر استقراراً وأقل تدخلية.
إن الدرس الأساسي الذي يقدمه هذا التحول هو أن القوة الناعمة لا تُمنح لمن يفرضونها، بل تكتسبها الدول التي تستطيع إقناع المجتمعات بجدوى نموذجها التنموي ومواقفها الدولية.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى