سلايدرسياسة

حِلف مكة: حين يُحرَّر الأقصى بالريال، وتُستعاد كشمير بالليرة، وتُحلّ الأزمات بالسُّبْحَة!

Listen to this article

أشرف أبو عريف

تأمَّل معي هذا المشهد الهوليودي الشائق: يجتمع القادة في رحاب مكة، لا للدعاء بالتوفيق والخير للأمة، بل لتأسيس ما يُطلق عليه “تحالف مكة” بين السعودية وتركيا وباكستان. ولأن المكان اسمٌ على مسمى، فقد اختيرت مكة بعناية فائقة؛ ليس لأنها قاطرة جيوش الفتوحات، ولا لأن الخطّة تتضمن استعادة القدس الشريف مع بزوغ الفجر، بل لأن اسم “مكة” يملك مفعول السحر في تحريك العواطف، وتهدئة النفوس، وإضفاء مسحة من الروحانية والمشروعية الأخلاقية على اتفاقيات تُطبَخ في أروقة السياسة الجافة. مكة التي ظلّت رمزاً للوحدة والعبادة الخالصة، تُقحم اليوم في لافتات التحالفات السياسية لتكون الغلاف الروحي لصفقات الدفع المسبق!
أما عن السؤال الأهم: هل أُسِّس هذا التحالف العتيد لتحرير الأقصى الشريف أو استعادة كشمير السليبة؟
الجواب الصريح هو أن القدس وكشمير تشكّلان -مع الأسف- خفّة يد كلامية جميلة يُعزَف عليها في المؤتمرات الصحفية لتهييج المشاعر وتمرير البيانات الرسمية. إن التحالفات الراهنة لا تتحرك وفق عقيدة الشمول الإسلامي أو نجدة الشعوب المستضعفة، بل تخضع للحسابات البراغماتية البحْتة: اقتصادٌ يترنح في أنقرة وإسلام آباد، ونفوذٌ إقليمي تبحث عنه الرياض في ظل تحولات المحاور الدولية.
فبالنسبة لباكستان التي تعاني أزمات اقتصادية طاحنة وتضخماً يلتهم العملة المحلية، يُعدّ الاقتراب من الخزانة الخليجية طوق نجاة لا يُقدَّر بثمن. وتركيا، التي تبحث عن ممول ومشتري لأسلحتها ومشاريعها الصناعية لتخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية والتضخم، تجد في هذا الثنائي فرصة ذهبية لإنعاش أسواقها وتوزيع أدوار نفوذها. أما الحديث عن “صفقات تسليم سوريا” أو “وعود سحرية لتحرير كشمير مقابل التحالف”، فهو أضغاث أحلام وسياسات تحت الطاولة تُستخدم فيها الملفات الإقليمية كأوراق مساومة تجارية؛ تبادل منافع ونفوذ وتصفية حسابات، ولا مكان فيها للوعود المبدئية أو المبادئ السامية.
ولعل السؤال المُرّ الذي يفرض نفسه: هل بات بترول الخليج وبالاً على المسلمين؟ حين تُستغل الموارد المالية الجبارة لتكريس الانقسامات وتغذية الصراعات المحاورية، بدلاً من بناء قوة اقتصادية وتنموية حقيقية تُعيد للأمة هيبتها وتستقل بقرارها السيادي، يغدو المال السياسي بالفعل عبئاً وثقلاً يُوهن الأمة بدلاً من أن ينصرها.
إن الحقيقة العارية وراء ما يُسمى “تحالف مكة” هي أنه ليس تحالفاً لتحرير مقدسات أو نصره قضايا، بل هو قران مصالح بين من يملك المال ويبحث عن غطاء إقليمي وعسكري، وبين من يملك الجيش والتقنية ويبحث عن السيولة والإنقاذ الاقتصادي. كل شيء في هذا التحالف يخضع لجدول الضرب والقسمة، أما مكة وقضايا الأمة الكبرى، فمجرّد لافتة بريئة تُرفع في الافتتاحية وتُنسى عند توقيع العقود.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى