مِنْ ضِفَافِ النِّيلِ إِلَى النَّهْرِ الأَصْفَرِ.. سَبْعُونَ عَامًا مِنَ الحِوَارِ الحَضَارِيِّ

د. باي كه تشينغ
نائب مدير العلاقات الدولية بجامعة جيلين للغات الأجنبية.. جمهورية الصين الشعبية
حين تلتقي حضارتان يمتد عمر كل منهما إلى أكثر من خمسة آلاف عام، فإن اللقاء لا يكون عابرًا، بل يتحول إلى حوار ممتد عبر الأزمنة، تتقاطع فيه دروب التجارة مع مسالك الفكر، وتتداخل خيوط الفن مع خيوط العقيدة والعلم.
وهذا تحديدًا ما جرى بين حضارة وادي النيل والحضارة الصينية؛ حضارتان لم يكن تلاقيهما قائمًا على الصراع أو التنافس، وإنما على الفضول المعرفي والاحترام المتبادل، لتشكلا معًا واحدة من أعرق صور التفاعل الحضاري في التاريخ الإنساني.
واليوم، وقد بلغت العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عامها السبعين، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة قراءة هذا التراث المشترك، لا باعتباره مجرد ذكرى نستعيدها، وإنما بوصفه رصيدًا حيًّا نبني عليه مستقبل الشراكة بين القاهرة وبكين.
جذور اللقاء.. حين تحدثت المادة قبل الكلمات
لم تنتظر مصر والصين اختراع السفن الحديثة أو وسائل الاتصال المتطورة لكي تتعارفا؛ فقد سبقت الآثار المادية الوثائق المكتوبة في توثيق هذا التلاقي.
وتكشف حبات «عين اليعسوب» الزجاجية المصرية القديمة، التي عُثر عليها في مقابر بمدينة تشنغدو الصينية، عن وجود اتصالات بعيدة المدى بين مناطق العالم القديم، قبل أن يترسخ التواصل بصورة أكبر عبر طرق التجارة البرية والبحرية التي عُرفت لاحقًا باسم طريق الحرير.
ولم يكن طريق الحرير مجرد ممر للبضائع، بل كان شريانًا حيًّا للتبادل الحضاري؛ حمل الحرير والخزف والشاي الصيني في اتجاه، والعاج والمشغولات المعدنية وغيرها من المنتجات والمعارف في الاتجاه المقابل، ناقلًا، إلى جانب السلع، الأفكار والأذواق وأنماط الحياة التي أسهمت في إثراء الثقافتين.
ولم تكن المادة وحدها شاهدة على هذا التلاقي، فقد ترك الرحالة والتجار وثائق لا تقل قيمة عن الآثار المادية.
ففي القرن الثامن الميلادي، بلغ الرحالة الصيني دو هوان أرض مصر، وسجل مشاهداته في كتابه «جينغ شينغ جي»، الذي فُقد أصله، غير أن أجزاء منه حُفظت في موسوعة «تونغ ديان»، لتصبح من أقدم الشهادات الصينية عن مصر.
وفي المقابل، وصل التاجر العربي سليمان التاجر إلى الصين في القرن التاسع الميلادي، ودوّن في «أخبار الصين والهند» مشاهداته عن أحوال الصين وعمرانها، مقدمًا صورة حية عنها إلى العالم العربي والإسلامي.
وعلى الرغم من تباعد الزمان واللغة، فإن هذين النصين يشكلان معًا شهادة مبكرة على أن الحوار بين الحضارات سبق بكثير نشوء العلاقات الدولية بصورتها السياسية الحديثة.
غير أن أعمق صور هذا التبادل ربما تجلت في ميدان العلوم والمعرفة؛ حيث لا حدود ولا جوازات سفر.
فقد حملت طرق التجارة الاختراعات الصينية الأربعة الكبرى: الورق والبوصلة والبارود والطباعة، إلى العالم العربي والإسلامي، وأسهمت في تغيير مسار التاريخ الإنساني. وفي المقابل، انتقلت المعارف العربية في الرياضيات والفلك والطب إلى الصين، حيث امتزجت بعض المعارف الطبية الوافدة بالطب الصيني التقليدي فيما عُرف بـ«طب هويهوي».
كما استفاد الفلكي الصيني قوه شوجينغ من المعارف الفلكية المتاحة في عصره في وضع تقويم «شوشي»، الذي عُدّ من أكثر تقاويم عصره دقة.
وهذه ليست تفاصيل هامشية في كتب التاريخ، بل دليل على أن الحضارات الكبرى لا تُبنى في عزلة، وأن التبادل المعرفي كان ولا يزال أحد أهم محركات التقدم الإنساني.
من الاعتراف السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية
حين اتخذت مصر، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، في الثلاثين من مايو عام 1956، قرارها التاريخي بإقامة العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، كانت القاهرة أول عاصمة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين.
ولم يكن ذلك القرار مجرد خطوة سياسية، بل يمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا حديثًا لحوار حضاري أقدم من العلاقات الرسمية نفسها.
فالدولتان اللتان جمعتهما قيم الاستقلال الوطني، ورفض الهيمنة، والسعي إلى التنمية، وجدتا في تاريخهما المشترك أرضية صلبة لبناء علاقة متميزة بين أمتين من أعرق أمم العالم.
وعلى مدى العقود السبعة التالية، تطورت العلاقة من التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، تُوّجت عام 2014 بإعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وتعززت عبر لقاءات القمة المتكررة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ.
غير أن الأهم أن هذه الشراكة لم تقتصر على السياسة والاقتصاد، بل جعلت الثقافة والمعرفة جسرًا ثالثًا بالغ الأهمية؛ فالاتفاقيات السياسية قد تتأثر بتغير الظروف الدولية، بينما تظل العلاقات الثقافية القائمة على المعرفة والاحترام المتبادل أكثر قدرة على الاستمرار والصمود.
«الحزام والطريق».. حين تتحول الآثار إلى جسور
تحتل مصر موقعًا فريدًا عند ملتقى قارات العالم، الأمر الذي جعلها شريكًا مهمًا في مبادرة «الحزام والطريق» منذ انطلاقها.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن التقاء «الحزام والطريق» مع «رؤية مصر 2030» لم يقتصر على الاستثمار والبنية التحتية، بل امتد إلى التراث الثقافي باعتباره أحد أهم ميادين التعاون العملي بين البلدين.
ويأتي التعاون الأثري المشترك في مقدمة هذه المجالات؛ إذ شاركت بعثات أثرية صينية مع نظيراتها المصرية في مواقع مهمة، من بينها معبد مونتو بالأقصر، حيث كشفت أعمال التنقيب عن أسس معمارية وتماثيل ونقوش هيروغليفية ألقت ضوءًا جديدًا على مراحل من التاريخ المصري القديم.
كما شهد موقع «تل العزيز» في منطقة منف أعمالًا أسهمت في الكشف عن بقايا معمارية وأثرية مهمة، إلى جانب العثور على أجزاء من تمثال أبي الهول، فيما شهدت منطقة سقارة أعمالًا أثرية مشتركة أسفرت عن اكتشافات ومعلومات جديدة حول تاريخ المنطقة.
وهذه المشروعات ليست مجرد إنجازات أكاديمية، وإنما تجسيد عملي لفكرة أن حماية التراث الإنساني مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية.
والأكثر دلالة أن التنمية العمرانية الحديثة في مصر لم تُطرح باعتبارها نقيضًا لحماية التراث، بل جرى السعي إلى تحقيق قدر من التكامل بينهما.
ففي العاصمة الإدارية الجديدة، خُصصت مساحات ومؤسسات ثقافية تعكس عمق الهوية الحضارية المصرية، بينما رافقت أعمال التنقيب الأثري مسيرة التنمية في مناطق أخرى، بما يؤكد إمكانية تحقيق التوازن بين متطلبات المستقبل وواجب صون الذاكرة التاريخية.
حين يعبر التراث المحيطات.. معرض «قمة الأهرامات»
قلّما شهد العالم حدثًا ثقافيًا بالحجم والأثر اللذين حققهما معرض «قمة الأهرامات: حضارة مصر القديمة العظيمة»، الذي استضافه متحف شنغهاي ابتداءً من يوليو 2024 لمدة ثلاثة عشر شهرًا.
وضم المعرض 788 قطعة أثرية نادرة من سبعة متاحف مصرية كبرى، من بينها المتحف المصري ومتحف الأقصر، إلى جانب اكتشافات حديثة من منطقة سقارة عُرض بعضها للمرة الأولى عالميًا.
وبلغت نسبة القطع التي عرضت في آسيا للمرة الأولى أكثر من 95 في المائة من إجمالي المعروضات، فيما استقطب المعرض أكثر من 2.77 مليون زائر، محققًا رقمًا قياسيًا لافتًا في عدد زوار المعارض المتحفية المدفوعة.
ولم يكن هذا الحدث مجرد عرض للآثار المصرية، بل كان ترجمة حية لثمار التعاون الأثري والثقافي بين البلدين، وجسرًا قرّب ملايين الصينيين من روح الحضارة المصرية القديمة.
فحين يعبر التراث المحيطات، فإنه لا يحمل معه أحجارًا وتماثيل وقطعًا أثرية فحسب، بل يحمل ذاكرة شعب ورسالة حضارة.
حين تلتقي التكنولوجيا بالتراث.. نحو «خلود رقمي»
يفتح التحول الرقمي اليوم بابًا جديدًا لحماية التراث الإنساني، وتقدم التجربة المصرية الصينية في هذا المجال نموذجًا جديرًا بالتأمل.
ففي بعض المواقع الأثرية، استخدمت فرق العمل تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد وتحديد المواقع وبناء النماذج الرقمية، بما يسمح بتوثيق مراحل التنقيب وإعادة تركيب المشاهد الأثرية بصورة افتراضية.
وفي سقارة، أُنجزت أعمال مماثلة في جمع البيانات الرقمية وبناء النماذج ثلاثية الأبعاد، بما يمهد الطريق أمام تطوير متاحف رقمية ومعارض افتراضية تتيح للتراث تجاوز حدود الزمان والمكان.
لكن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي لا تكمن في مجرد تصوير القطع الأثرية بدقة عالية، وإنما في تحويل المواقع الأثرية من مواقع ميدانية محدودة الزيارة إلى فضاءات معرفية رقمية مفتوحة أمام الباحثين من مختلف أنحاء العالم.
وبذلك يستطيع علماء مصريون وصينيون وباحثون من جنسيات مختلفة العمل على قواعد معرفية مشتركة، متجاوزين حواجز اللغة والمسافة.
وهنا ينتقل التعاون المصري الصيني من مجرد «التقاء حضارتين» إلى مرحلة أرحب هي حماية الذاكرة الإنسانية المشتركة بالوسائل التقنية الحديثة، على أن يظل مبدأ الحفاظ على أصالة التراث وسلامته هو الحاكم لأي تطبيق تقني.
ولم يقتصر التعاون على الجانب التقني، بل امتد إلى مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها تهريب الآثار والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
وقد أبرم البلدان اتفاقًا عام 2010 لتعزيز التعاون في حماية الممتلكات الثقافية، وأعيدت إلى الصين عام 2020 قطع نقدية أثرية صينية ضبطتها السلطات المصرية، في خطوة تعكس التزامًا مشتركًا بحماية التراث الحضاري للبشرية.
اللغة والتعليم.. حين تصبح المعرفة استثمارًا استراتيجيًا
لا يكتمل الحديث عن التبادل الثقافي المصري الصيني من دون التوقف عند دور التعليم في ترسيخ هذا التقارب.
فقد شهدت العقود الأخيرة توسعًا في برامج التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية بين الجامعات المصرية والصينية، بينما برزت معاهد كونفوشيوس، ومن بينها معهد جامعة قناة السويس، بوصفها منصات لا تقتصر مهمتها على تعليم اللغة الصينية، وإنما تمتد إلى تعريف الأجيال الجديدة بالثقافة الصينية المعاصرة.
وتُوّج هذا المسار عام 2019 بإدراج اللغة الصينية رسميًا ضمن اللغات الاختيارية في منظومة التعليم المصرية، في إشارة إلى أن تعلم لغة الشريك الاستراتيجي لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل استثمارًا في مستقبل العلاقات بين الشعبين.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما نافذة على العقل والوجدان والتاريخ.
أفق أرحب.. من الثنائية إلى تعدد الأطر
مع انضمام مصر إلى مجموعة «بريكس»، واتساع حضور الدول النامية في مؤسسات وأطر التعاون الدولية، تتسع آفاق التعاون الثقافي المصري الصيني لتتجاوز الإطار الثنائي نحو فضاءات متعددة الأطراف.
وفي إطار «بريكس»، يستطيع البلدان تبادل الخبرات في صون التراث ونقل المعرفة، بما يعزز حضور دول الجنوب في المشهد الثقافي الدولي.
كما توفر مبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين إطارًا أوسع للتعاون في مجالات التراث العالمي، والآثار المغمورة بالمياه، وترميم القطع الأثرية، ورقمنة التراث الثقافي.
وقد عكست القمة الصينية العربية الأولى عام 2022 جانبًا مهمًا من هذه الرؤية، من خلال التأكيد على أهمية تعزيز الحوار بين الحضارات، ونبذ خطاب الكراهية والتطرف، ودعم التفاهم بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة.
وفي عالم تتزايد فيه مظاهر الاستقطاب الثقافي، تقدم التجربة المصرية الصينية نموذجًا للحوار بدلًا من القطيعة، والتكامل بدلًا من العزلة.
فالتنوع بين الحضارات لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره مصدرًا للصراع، وإنما يمكن أن يكون مصدرًا للإثراء، متى توفرت إرادة التعارف والاحترام والتعاون.
جسر لا يزال يُبنى
لم تكن الرحلة الممتدة من ضفاف النيل إلى ضفاف النهر الأصفر مجرد سلسلة من المحطات التاريخية المتفرقة، بل كانت مسارًا متصلًا من التعارف والتعلم المتبادل.
وقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تثق بعمق جذورها الحضارية هي الأقدر على استشراف مستقبلها، وأن الحضارة التي تنفتح على غيرها لا تفقد هويتها، بل تضيف إليها أبعادًا جديدة.
واليوم، ومع دخول العلاقات المصرية الصينية عقدها الثامن، تبدو الفرصة سانحة لمواصلة بناء هذا الجسر، ليس عبر الاتفاقيات والمشروعات الكبرى وحدها، وإنما من خلال الاستثمار في الإنسان، وتعميق الحوار الثقافي، وتوسيع التعاون العلمي والتقني، وصون التراث المشترك للإنسانية.
فالرسالة الأعمق التي تقدمها التجربة المصرية الصينية للعالم هي أن الحضارات العريقة تستطيع أن تتحاور وتتفاعل وتتبادل المعرفة، وأن الاختلاف بينها يمكن أن يصبح مصدر قوة وإثراء.
ومن ضفاف النيل إلى ضفاف النهر الأصفر، يبقى الثقافة ذلك الجسر الذي لا تهدمه الحدود، ولا تطويه الأزمنة، ولا تنال منه تقلبات السياسة؛ جسرًا يصل الماضي بالمستقبل، والشعوب بالشعوب، والحضارات بالحضارات.



