رئيس التحريرسلايدر

إيران تصطاد الغواصة الأمريكية الثانية.. هل وصل الدرس إلى ترامب؟

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

 

 

يبدو أن مضيق هرمز قرر هذه المرة أن يتحول من ممرٍّ استراتيجي للطاقة إلى مسرحٍ للكوميديا العسكرية السوداء!

فإيران تعلن أنها نجحت للمرة الثانية خلال سبتمبر في أسر مركبة أمريكية مسيّرة تحت الماء، من طراز REMUS 600، وتقول إن العملية تمت عبر تفوق استخباراتي وحرب إلكترونية، وإن المركبة أصبحت بين أيدي خبرائها لاستخراج ما تحمله من معلومات. أما واشنطن، فترد بالنفي، وتقول إنها ما زالت تملك السيطرة على أصولها البحرية غير المأهولة.

وهنا تبدأ الحكاية الساخرة:

إيران تقول: اصطدناها.
أمريكا تقول: لم تصطدوها.
والغواصة نفسها لا تستطيع عقد مؤتمر صحفي لتقول لنا من الصادق!

لكن بعيدًا عن الضحك، ثمة رسالة عسكرية وسياسية تستحق التوقف.

أولًا، علينا ألا نسمي المركبة «غواصة نووية»؛ فهي ليست غواصة نووية مأهولة، بل مركبة ذاتية التشغيل تحت الماء تعمل بالبطاريات، ويعود استخدام طرازات «كينغفيش» في البحرية الأمريكية إلى مهام مثل كشف الألغام والمسح والاستطلاع تحت سطح البحر.

وهذا التصحيح لا يقلل من أهمية الواقعة، بل يجعلها أكثر إثارة للسؤال.

فإذا صحت الرواية الإيرانية، فنحن لا نتحدث عن إسقاط غواصة أمريكية عملاقة، وإنما عن قدرة قوة إقليمية على الوصول إلى نظام أمريكي غير مأهول، والسيطرة عليه، وربما استخراج بياناته.

والأخطر هنا ليس وزن المركبة ولا حجمها.

الأخطر هو المعلومة التي قد تكون بداخلها.

فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والسفن، وإنما بقدرة كل طرف على رؤية الآخر قبل أن يراه الآخر.

ومن هنا تأتي قيمة الحرب الإلكترونية والاستخباراتية.

لقد سبق لإيران أن استفادت دعائيًا وتقنيًا من أسر طائرات مسيّرة أمريكية؛ كما أشار تحليل رويترز إلى أن سقوط مركبة أمريكية تحت الماء في أيدي الإيرانيين يمكن أن يمنح طهران فرصة لدراسة التكنولوجيا وربما إجراء هندسة عكسية لها، حتى مع اختلاف الخبراء حول حجم المكسب العسكري الفعلي.

أما تكرار الحادثة المعلنة، إذا تأكد مستقلًا، فينقل المسألة من مجرد حادثة محرجة إلى سؤال أكثر جدية:

هل تستطيع إيران جعل البيئة البحرية القريبة من مضيق هرمز بيئةً غير مريحة للتكنولوجيا الأمريكية؟

وهنا تحديدًا يمكن أن تصل الرسالة إلى البيت الأبيض.

ليس بالضرورة أن تكون الرسالة:

«إيران تفوقت على الجيش الأمريكي!»

فهذه قفزة أكبر من الأدلة المتاحة.

لكن الرسالة الأكثر واقعية وربما أكثر إزعاجًا هي:

«التفوق العسكري الأمريكي ليس تفوقًا مطلقًا في كل مكان، ولا في كل مجال، ولا أمام كل نوع من الحروب.»

وهذا فرق جوهري.

فالولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية هائلة ومتعددة المجالات، ولا يمكن لحادثة أسر مركبة غير مأهولة أن تثبت أن إيران أصبحت أقوى من الجيش الأمريكي.

لكن الحرب ليست مسابقة في حجم حاملات الطائرات.

قد يكون لديك أكبر جيش في العالم، ثم تجد أن زورقًا صغيرًا، أو صاروخًا رخيصًا، أو طائرة مسيّرة، أو مركبة تحت الماء، يستطيع أن يفرض عليك حسابات لم تكن في دفتر الحساب!

وهنا يصبح مضيق هرمز هو الأستاذ الحقيقي.

فقد سبق أن واجهت البحرية الأمريكية تحديات الألغام والحرب غير المتماثلة في الخليج، وكانت مركبات «REMUS/Mk 18» نفسها جزءًا من جهود أمريكية لتعزيز قدرات مكافحة الألغام في المنطقة.

أي أن المفارقة تكاد تكون مكتملة:

الأمريكي صنع الغواصة المسيّرة ليجعل البحر أكثر أمانًا لقواته… فإذا بإيران تقول له: شكرًا، سنحتفظ بها قليلًا!

وهنا، لو كنت مكان ترامب، فلن يكون السؤال الأول:

«هل إيران أقوى من أمريكا؟»

بل:

«كم ستكلفني محاولة إثبات أنني الأقوى؟»

وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يصل إلى البيت الأبيض.

فالرئيس ترامب أعلن في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر أنه قد «يبيد» الجمهورية الإسلامية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، بينما تحدث في الوقت نفسه عن إمكانية الوصول إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

وبين لغة الإبادة ولغة التفاوض، تظهر الآن مركبة أمريكية صغيرة تحت مياه هرمز كأنها تهمس:

«يا سيادة الرئيس… ربما حان وقت التفاوض قبل أن تتحول الحرب إلى مختبر مجاني للهندسة العكسية!»

لا أحد يستطيع من حادثة واحدة أن يقول إن إيران هزمت الولايات المتحدة عسكريًا.

لكن إذا ثبتت واقعة الأسر الثانية، فهي بالتأكيد جرس إنذار بشأن قابلية بعض الأنظمة الأمريكية غير المأهولة للاختراق أو الاستيلاء في بيئة بحرية شديدة الحساسية.

وهنا يصبح الدرس السياسي أهم من الدرس العسكري:

الحرب التي تبدأ لإثبات التفوق قد تنتهي بإثبات أن التفوق نفسه له حدود.

ولذلك، ربما لا تكون أفضل رسالة إلى ترامب:

«إيران أقوى من أمريكا.»

بل رسالة أكثر ذكاءً:

«أمريكا قوية بما يكفي لتوقف الحرب عندما تدرك أن استمرارها لم يعد يضيف إلى قوتها شيئًا.»

أما الغواصة الثانية؟

فلتظل في قاع هرمز، سواء كانت إيران قد أمسكت بها فعلًا أو كانت واشنطن قد نجحت في الاحتفاظ بها.

ففي الحالتين، يبدو أن مضيق هرمز قد أمسك بشيء أهم من الغواصة:
أمسك بأعصاب الحرب نفسها!

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى